لم تكد الضجة التي أثارها أعضاء في مجلس النواب بإجراء تعديلات على قانون الجنسية العراقي عام 2019 تهفت، حتى أثارتها وزارة الداخلية من جديد ، باقتراحها قبل أيام تعديلات جديدة على القانون. وقال مدير شؤون الجنسية في الوزارة العميد كمال عبد الأمير كاظم في تصريح صحفي، إن وزارته "تعد مقترح مشروع لتوسيع الفئات المشمولة بمنح الجنسية العراقية ومنها الغجر". ولم تعرف بعد تفاصيل كثيرة عن هذا المقترح، لكن ناشطين دعوا للتصدي لأي تعديل قد يفضي لإجراء تغيير بالتركيبة السكانية من خلال تسهيل عملية الحصول على الجنسية العراقية بشكل مفرط.
وكان مجلس النواب قد شهد في آذار عام 2019 جدلاً حول تعديلات مقترحة لتوسيع نطاق المشمولين بحق الحصول على الجنسية العراقية، لتشمل الأشخاص الذين أمضوا سنة واحدة في البلاد حتى لو كان دخولهم غير شرعي. وقوبل هذا السلوك البرلماني بموجة سخط شعبي حيث أنه ينم عن غايات مبيتة لتوطين فئات معينة من الأجانب على حساب سكانه.
الجنسية العراقية لم تشهد امتهاناً بهذا الشكل منذ ما يقرب من مائة عام
تغيير ديموغرافي
ووجد ناشطون في مقترح الداخلية الجديد إعادة تدوير لمشروع فشل في الحصول على تأييد شعبي. واعتبر الناشط الحقوقي "فرقد محمود" إن زج قضية الغجر في مقترح الداخلية ليس إلا ذريعة لتمرير فئات أخرى، تخدم بالخصوص الطبقة المقربة من إيران لغايات عديدة.
وكان مدير قسم التجنس العميد "فاضل علوان" قد أعتبر خلال مؤتمر صحفي عقده في مبنى البرلمان بعد فشله بتمرير المشروع، أن منح فئات من الأجانب الجنسية العراقية له بعد إنساني بقوله، " إن طرح مقترح تعديل قانون الجنسية العامة جاء لوجود حالات إنسانية منها الغجر والتبعية الإيرانية حتى يتمكنوا من الحصول على الجنسية"، لكن أطرافاً أخرى وجدت في المشروع حلقة ضمن مسلسل التغيير الديموغرافي، الذي تنتهجه حكومات الإحتلال منذ عام 2003. واعتبر وزير التربية السابق "محمد إقبال" أن المشروع "إنتكاسة كبيرة في مسار القوانين العراقية"، وأن هذا التعديل لو تم تمريره، فسوف "تنتج عنه عمليات تغيير ديموغرافي كبيرة". وانتقد إقبال الصلاحيات الممنوحة لوزير الداخلية بمنح الجنسية، "خلافاً للضوابط التي أقرّتها الأعراف العراقية"، مضيفاً أن "أغلب الدول لا تمنح الجنسية للمهاجرين إليها إلا بعد مرور سنوات كافية للحصول على المعلومات الخاصة به".
ويعتبر هذا التعديل "من ولد خارج العراق لأم أو أب غير عراقيين أو لا جنسية له، عراقي الجنسية إذا اختارها خلال سنة من تاريخ بلوغه سن الرشد"، بحسب مصادر برلمانية، رأت أن هذا التعديل "يفتح المجال والفرصة لمنح مجهولين ومن لا معرفة بأصولهم وتوجهاتهم الفكرية حق الحصول على الجنسية العراقية".
سكوت متبادل
من جانب آخر وبالإضافة لصلاحيات وزير الداخلية، يخول المشروع رئيس الجمهورية منح حق التجنيس وبعدد غير محدود لمن يراه مناسباً، وهو أمر وجد فيه العراقيون امتهاناً كبيراً لجنسيتهم، إضافة لكونه خطوة على طريق التغيير الديمغرافي في البلاد.
ولم تكن الأحزاب الكردية بعيدة عن هذه السياسة، حيث سبق تجنيس عشرات الآلاف من أكراد البلدان المجاورة في مسعى لإحداث تغيير ديموغرافي في المحافظات التي تخضع لحكومة الإقليم، بالإضافة للمناطق المتنازع عليها بين الإقليم والمركز.
وقالت تقارير صحفية إن عمليات التجنيس تزامنت مع الإستفتاء على الإنفصال الذي أجري في الخامس والعشرين من أيلول/سبتمبر 2017، واستمر لسنوات دون علم الحكومة الإتحادية، لكن مصادر مطلعة أكدت أن الأحزاب التي قادت الحكومات السابقة كانت تعلم بما يجري في مناطق الإقليم، لكنها مضطرة للسكوت مقابل ضمان سكوت الساسة الكرد على عمليات تجنيس مشابهة تجري في محافظات الجنوب والفرات الأوسط ، لرعايا إيرانيين ومن جنسيات أخرى، وعدم إثارة هذا الموضوع في المساومات التي تجري على المناصب والامتيازات.
سابقة في التشريع العراقي
وأكد ناشطون حقوقيون أن الجنسية العراقية لم تشهد امتهاناً بهذا الشكل منذ ما يقرب من مائة عام، عندما شُرع قانون الجنسية العراقية. وحدد القانون العراقي عدة شروط لمنح الجنسية العراقية للأجانب، من بينها أن لا تقل مدة إقامة الأجنبي الراغب بالحصول عليها عن عشر سنوات، وأن يكون قد دخل العراق بصورة شرعية، ويتمتع بحسن السمعة والسلوك، وأن يكون قادراً على العيش، وسالماً من الأمراض الانتقالية، ولا يجوز منح الجنسية لأغراض سياسية بقصد التوطين المخلّ بالتركيبة السكانية.
وبهذا الخصوص أكد الحقوقي "سعد البياتي"، أن القوانين العراقية واضحة ولا تقبل الشك أو التأويل، مضيفاً أنه "إذا تم إقرار قانون للجنسية يمنح الزوار الأجانب الجنسية في حال إقامتهم عاماً واحداً، فإن ذلك سيؤثر بشكل كبير على التركيبة السكانية، ويخلق مشاكل". وتساءل البياتي "كيف لنا أن نتأكد من حسن سلوك الشخص الذي يرغب بالحصول على الجنسية في عام واحد؟ وكيف يمكن التأكد من سلامة موقفه في بلاده؟".
وتابع البياتي القول في حديث صحفي، إن "الحدود المفتوحة، وخصوصاً مع إيران، لا يمكن أن تضمن بقاء الأشخاص المعنيين داخل العراق خلال العام المطلوب منهم،" وأن أي تشريع يتجاهل هذه الثوابت "سيتسبب بكارثة مجتمعية وقضائية".
واعتبر مراقبون أن إعادة فتح هذا الملف من قبل وزارة الداخلية خاصة في الظرف السياسي الحالي بالغ التعقيد، هو محاولة في وقت غير مناسب، لإعادة إنتاج مشروع فشل الساسة في إقناع العراقيين بجدواه.