تُعرّف المواقع المتخصصة الورقة البيضاء بأنها "وسيلة لعرض السياسات الحكومية قبل سنها كتشريعات" وبذلك تتمكن الحكومات من اختبار تقبل الرأي العام لقضية معينة وقياس ردود الأفعال تجاهها. ومن أشهرها الورقة التي كتبها ونستون تشرشل حين كان وزيرا للمستعمرات البريطانية، وهي وثيقة يؤكد فيها على التزام بلاده بوعد بلفور الذي قطعته بلاده لليهود بإنشاء وطن لهم في فلسطين، وعرَضها في حزيران 1922..
في حزيران من هذا العام عرض مصطفى الكاظمي مشروعاً تحت مسمى "الورقة البيضاء" اقترحته حكومته على البرلمان لمناقشته وإقراره فما هي ورقة الكاظمي وبماذا يعد شعبه؟
دفاع حكومي
تقول مصادر حكومية إن الورقة عبارة عن خطة "إصلاحية" من خمسة محاور، كان الكاظمي قد عرضها في وقت سابق على رئيس البرلمان محمد الحلبوسي ورئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان وأطراف سياسية أخرى، قبل أن تتسلمها اللجنة المالية النيابية من وزير ماليته علي عبد الأمير علاوي.
والمحاور الخمسة للورقة تشمل "الاستقرار المالي المستدام وتحقيق إصلاحات اقتصادية كلية، توفير الخدمات الأساسية، تطوير الحوكمة والبيئة القانونية، تحسين البنى التحتية الأساسية، وتوفير الخدمات الأساسية." وتقترح الحكومة مدة ثلاث إلى خمس سنوات لتحقيقها
ويصف الكاظمي ورقته بأنها "مشروع حل لأزمة إدارة الاقتصاد المزمنة والاعتماد الكامل على النفط وعدم تنويع مصادر الدخل". وزير المالية قال في مؤتمر صحافي إن "الورقة البيضاء تمثل برنامجاً إصلاحياً للشؤون الاقتصادية والمالية، وستكون خريطة طريق للموازنات اللاحقة". وذهب المتحدث الرسمي باسم رئيس الوزراء أحمد ملا طلال لأبعد من ذلك عندما قال إن "الورقة تتضمن مئات الإجراءات الكفيلة بإحياء الاقتصاد العراقي ودفعه نحو استثمار موارد البلد الهائلة، وإدارتها وتوظيفها بالطريقة العلمية".
لكن هناك من لا يرى ما تراه الحكومة بهذه الورقة من مسوغات لتمريرها
رأي خبراء الاقتصاد بالورقة
وانتقد أكاديميون عراقيون، المقترحات التي تضمنتها الورقة معتبراً أنها تفاقم الوضع الإقتصادي إجمالاً وتتسبب بأضرار فادحة يدفع ثمنها المواطن، ومن هذه المقترحات "خفض الإجور والرواتب من 25% من الناتج المحلي الإجمالي يتناقص الى 12.5% خلال ثلاث سنوات، وفك ارتباط صندوق التقاعد بالموازنة العامة للبلاد، وصرف رواتبه من الصندوق وخفض الدعم المالي للشركات المملوكة للدولة والدعم الحكومي للناتج المحلي الإجمالي، واستيفاء أجور الطاقة الكهربائية "وفق التسعيرة العالمية"، ورفع أجور الجمارك والضرائب، وإعادة هيكلة سلم الرواتب العامة من خلال إيقاف عمليات التوظيف والاستبدال الجديدة في القطاع العام، ووضع حد أعلى لرواتب الموظفين، وتطبيق ضريبة الدخل على مخصصات الموظفين والحوافز والعلاوات."
هذه الورقة لا تقدم شيئا، يجب على الحكومة أن تتجه نحو خطوات جادة بجرأة وشجاعة
انتقادات برلمانية
الكتل السياسية وممثلوها في البرلمان على عادتهم وجدوها فرصة لتبادل الاتهامات بين برلمانهم وبين الحكومة. فما أن أعلن عن الورقة حتى انهالت الانتقادات من كل ركن من أركان البرلمان وأعضائه الذين قالوا إن الورقة لم تأت بجديد. النائب عن "تحالف الفتح" وليد السهلاني قال إنها "مجرد وعود" وإن "الإصلاح ليس بالكلام"، عبد الكريم عبطان المتحدث باسم "جبهة الإنقاذ والتنمية"، قال"لا أعتقد أن هذه الورقة ستقدم شيئا، يجب على الحكومة أن تتجه نحو خطوات جادة بجرأة وشجاعة"، ولخصت آيات مظفر المتحدثة باسم تحالف "النصر" موقف تحالفها بأن "الورقة جاءت بيضاء من حيث المقصد والنوايا" مضيفة إن "البلاد لم تعد بحاجة إلى الدواء بقدر حاجتها إلى استئصال أعضاء فسدت" أما عضو مجلس النواب محمد الكربولي فقد وصف الورقة في تغريدة له بـ"المسكنات المؤقتة"
المواطن بين شد الحكومة وجذب البرلمان
من المفترض أن تمثل السلطتان التشريعية والتنفيذية معنى التسمية التي تحملانها ، فالسلطة التشريعية تشرع القوانين والسلطة التنفيذية تنفذها ويحدث أن تقترح الحكومة قانوناً أو مشروعاً على مجلس النواب فيناقشه ويقره أو يقترح تعديله وهكذا حتى الوصول في نهاية الأمر إلى صيغة تخدم المواطن وتطلعاته
ما يحدث أن كلا الطرفين متحفز لا لمناقشة الأفكار المطروحة بل لاستخراج أسوأ ما فيها وتناوله بالنقد والتسفيه، والمشكلة الكبرى عندما يكون المطروح سيئاً بالفعل ولا يمكن تعديله ولا بديل له كما حدث في مقترح الإقتراض الداخلي الذي تقدمت به وزارة المالية والذي كان البديل الوحيد له هو توقف صرف الرواتب، والآن وجد البرلمانيون في الورقة البيضاء التي اقترحها الكاظمي مادة جديدة للنقد و تبادل الإتهامات.
ومن جلسة مجلس الوزراء لجلسة البرلمان يبقى المواطن بانتظار ثمار يحس مرارتها حتى قبل قطافها.