المخدرات في العراق.. استيراد، تصدير، استهلاك، وتمويل!

hozaya
10 تشرين الثاني، 2020

 

يقضي ضابط الشرطة سنوات من عمره في التدريب على كيفية القبض على المهربين والمجرمين لحماية الشعب من أخطارهم فيحصل على الترقيات والمكافآت من رؤسائه وعلى التقدير والإحترام من مجتمعه، لكن أن يقبض عليه عندما يمسك متهماً بتهريب المخدرات وممنوعات أخرى فيما يكرم المهرب وتعتذر منه وزارة الداخلية فهذا ما لم يحدث في تاريخ الشرطة في أي بلد في العالم. ففي العام الماضي وبينما كان الرائد علي شياع سعيد المنسوب إلى قسم المخدرات والمؤثرات العقلية في محافظة البصرة يقوم بواجبه في منفذ الشلامجة على الحدود الإيرانية تلقى معلومات عن عملية تهريب مخدرات يقوم بها مجموعة من الإيرانيين بصحبة  معمم تربطه صلات بزعماء ميليشيات متنفذة فقام بواجبه بالقبض عليهم لكنه تفاجأ بإحالته إلى مجلس تحقيقي هو وأفراد مفرزته. فما قصة المخدرات في العراق وكيف أصبح "بورصة" إقليمية لها وكيف تضاعفت أعداد المدمنين من جيل الشباب الذي بدأ يتعرف على هذه المادة ولم يكن قد رآها من قبل إلا في الأفلام؟

أورد تقرير لمكتب الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة والمخدرات أن عدد المدمنين في العراق بمجمل ثمانية وعشرين ألف مدمن حتى عام 2006

 

المخدرات في القوانين العراقية

عاقبت القوانين العراقية مروجي المخدرات ومستهلكيها بأشد العقوبات حيث تصل إلى الإعدام عقوبةُ  "كل من استورد أو صدّر مواداً مخدرة أو مؤثرات عقلية أو سلائف كيميائية بقصد المتاجرة بها" وعقوبات أخرى تشمل من يزرع نباتاً تنتج عنه مواد مخدرة والمتعاطين وبقية الفئات التي تتعامل بهذه المواد. وتشير البيانات المتوفرة لخلو السجون العراقية من مقترفي مثل هذه  الجرائم قبل 2003 لكن مصادر صحفية نقلت عن ضابط بقسم مكافحة المخدرات في شرطة البصرة قوله إن أغلب نزلاء السجون العراقية اليوم من مقترفي جرائم تتعلق بقضايا المخدرات وأورد الضابط أمثلة من الأعوام السابقة عن أعداد الموقوفين والكميات التي ضبطت في محافظة البصرة لوحدها بالقول "إن عددهم يتزايد سنوياً منذ 2015"، وأن الشرطة ضبطت 15 كيلوجرام في ذلك العام وهي نصف الكمية التي ضبطت خلال كل الأعوام السابقة، وأن عدد الموقوفين في هذه الجرائم يتراوح بين 50 و 60 شخصاً في الأسبوع مقارنة بألف شخص طوال العام الذي سبقه. وأورد تقرير لمكتب الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة والمخدرات، أجمل عدد المدمنين في العراق بثمانية وعشرين ألف مدمن حتى عام 2006 . وحذر بيان المنظمة المذكورة من أن الدول التي تصبح معبراً للمخدرات يتعاطاها 10% من أبنائها.
وبحكم موقعه الجغرافي كان العراق على مر القرون ممراً للتجارة بين الشرق والغرب لذلك اهتمت الأنظمة التي حكمت العراق منذ الدولة العثمانية حتى الإحتلال الأمريكي بمراقبة البضائع المارة عبر حدوده لكنه أصبح بعد الإحتلال ممراً رئيسياً لتجارة المخدرات لتوسطه بين الدول المنتجة والمستهلكة لها.

 

أين تتركز تجارتها ومن هم ضحاياها؟


ليست البصرة لوحدها لكنها الأكثر تأثراً بهذه التجارة لكونها الميناء الوحيد إضافة لكثافة الحركة على منفذ الشلامجة الذي يصل المحافظة بالمدن الإيرانية وقد أقر كثير من المسؤولين الذين شغلوا مناصب في المحافظة والبرلمان في فترات متباعدة بعد 2003 بهذه الظاهرة الخطيرة، النائب عدي عواد تحدث في مؤتمر صحافي عقده في مجلس النواب عن أكثر من 4035 من المتعاملين والمتعاطين خلال عام واحد فقط ونقلت وكالات اخبارية محلية عن موقع المونيتور الأمريكي قوله إن العراق قد "أصبح سوقًا لاستهلاك المخدرات التي تتدفق إليه من إيران عبر الحدود." وأورد الموقع تصريحاً للقاضي وائل عبد اللطيف قال فيه إن المخدرات تنتشر في البصرة والسماوة والعمارة والناصرية وبغداد والمناطق الشمالية والغربية بسبب ضعف الإجراءات الحكومية على الحدود مع إيران ووجود ضباط فاسدين يتعاملون مع تجار المخدرات. وكان عبد اللطيف قد أقر في لقاء تلفزيوني سابق بوجود معمل لمادة الكريستال المخدرة في محافظته. واعترف عدد من النواب الآخرين بوجود مزارع للخشخاش والحشيش إضافة إلى معامل الكريستال في عدد من المحافظات
وحذر قضاة أصدروا أوامر قبض بحق متعاطين من تفشي هذه الظاهرة، وقال أحد القضاة أن "اغلب المتعاطين يتحولون خلال فترة قصيرة الى مروجين" لأسباب عديدة منها البطالة، مؤكدين ضبط حالات للتعاطي والترويج وصلت إلى مدارس بغداد وجامعاتها وبعض المقاهي، وأوردت مصادر صحفية حالات لعدد من الفتيات بأعمار صغيرة وصلن إلى المراكز الصحية للعلاج من الإدمان.

 

وجود أكثر من 500 تاجر مخدرات في قضاء السماوة لوحده بحسب إحصائيات رسمية يديرون تجارة الحبوب المخدرة  والحشيشة المهربة من إيران بانتظام وتصدير كميات أخرى إلى بعض دول الخليج.

 

جهود خجولة للتصدي للظاهرة

ورغم استفحال هذه الظاهرة الخطيرة لم تشهد أي من المحافظات جهداً على مستوى وطني لمكافحتها لكن جهوداً محدودة على مستوى التوعية والتحذير من المخاطر تبنتها مديريات التربية في بعض المحافظات حذر خلالها مختصون في مجال مكافحة المخدرات من خطورة تفشي المخدرات والأقراص والعقاقير المخدرة بين طلبة المدارس ودعا هؤلاء المختصون أولياء الأمور وإدارات المدارس لأخذ الحيطة والحذر من هذه الظاهرة.

وقال مسؤول في تربية ذي قار إن "كميات المخدرات أصبحت تدخل بالأطنان عبر المنافذ والموانئ العراقية". وكانت قيادة شرطة المحافظة قد حذرت منذ عام 2016 من ارتفاع ملحوظ في جرائم تعاطي وترويج المخدرات بنسبة 14% خلال ذلك العام بالمقارنة مع العام الذي سبقه. مشيرة إلى أن عدد المعتقلين بجرائم المخدرات بلغ 247 متهماً بينهم تجار ومروجون ومتعاطون.

وغير بعيد عن ذي قار نبه مؤتمر لشرطة محافظة المثنى إلى وجود أكثر من 500 تاجر مخدرات في قضاء السماوة لوحده بحسب إحصائيات رسمية يديرون تجارة الحبوب المخدرة  والحشيشة المهربة من إيران بانتظام وتصدير كميات أخرى إلى بعض دول الخليج.

 

البعد الآخر لتجارة المخدرات

ليست المخدرات مجرد مادة تفقد الوعي كالمسكرات لكن كونها مادة ممنوعة التداول يرفع سعرها ويربطها بالمال الفاسد. وترتبط تجارة المخدرات في كثير من الدول الفاشلة أو الفاسدة أو التي وقعت في براثن استعمار أو احتلال بالمال السياسي وبحملات الإنتخابات وبغسيل الأموال وبتجارة السلاح وبأمور كثيرة أخرى من هذا القبيل.

وبالمقابل تحظى مكافحة المخدرات في كل العالم بتقدير عالٍ سواء من المواطنين أو من الحكومة ، حتى الكلاب البوليسية التي تشارك في القبض على التجار يجري تكريمها. في بوليفيا تم تكريم 15 كلباً من بين 210 يعملون في وحدة مكافحة المخدرات في العاصمة لاباز "لجهودهم في مكافحة المخدرات". حدث ذلك أيضاً في اسبانيا وكوريا الجنوبية وفرنسا ودول كثيرة حول العالم. لكن عندما تتم محاسبة ضابط ساهم باعتقال مهرب ثم يهدده زعيم ميليشيا أمام الإعلام "بجعل رأسه منفضة سجائر" قبل أن يتلقى المتهم اعتذاراً رسمياً فعند ذلك نستطيع أن نستنتج بمن ترتبط تجارة المخدرات في العراق ولماذا تفشت بهذا الحجم.

 

menu-circlecross-circle