هجمات تنظيم الدولة (داعش) تعيد إشعال الصراع العراقي السعودي

hozaya
4 شباط، 2021

 

 

لقد أحدثت التفجيرات الانتحارية الأخيرة في بغداد تأثيرا كبيرا يتطلب مزيدا من الاهتمام، حيث اتهمت الميليشيات المدعومة من إيران دول الخليج بشكل رسمي بدعم تنظيم الدولة (داعش) وقامت بهجمات بطائرات بدون طيار من الأراضي العراقية ضد المملكة العربية السعودية، لذا فانه بدون سياسة أمريكية فعالة للتعامل مع الجماعات المسلحة العدوانية فأن المزيد من التصعيد يمكن ان يؤدي إلى تفاقم عدم الاستقرار في المنطقة.

وفجر انتحاريان نفسهما في ساحة الطيران ببغداد في 21 كانون الثاني/ يناير، مما أسفر عن مقتل 32 مدنيا عراقيا وإصابة أكثر من 100 شخص.

إن طريقة التفجيرات توحي بتورط تنظيم الدولة (داعش) لأول مرة منذ ثلاث سنوات. وبعد أقل من 12 ساعة أعلن التنظيم مسؤوليته في بيان أشاد فيه بالهجوم.

وكشفت الهجمات الانتحارية الأخيرة أنه لا يزال بإمكان التنظيم الاستفادة من الهفوات واستغلال الثغرات في الإجراءات الأمنية المشددة في بغداد، وكشفت أيضا صعوبة إرسال السيارات المفخخة وزرع العبوات الناسفة في المدن الكبرى - وهي تكتيكات أساسية لتنظيم داعش في مرحلة التمرد تحت الأرض. ان الاجراءات المختلفة، مثل نقاط التفتيش في جميع المناطق الرئيسية، المراقبة المكثفة على جميع نقاط الدخول إلى بغداد من المحافظات الأخرى، وتوجيهات المخابرات والمخبرين حول تصنيع القنابل في الأطراف، والمداهمات الدورية لتعطيل الخلايا النائمة، ساهمت في الانخفاض الملحوظ للهجمات في العاصمة.

من السابق لأوانه الإشارة إلى أن الهجوم الأخير هو هجوم منفصل، لكنه لا يعني بالضرورة زيادة قدرة تنظيم الدولة داعش على العمل بحرية في المناطق المأهولة بالسكان ولا يعني ايضا أن التنظيم قد أنهى فترة سباته التي استمرت ثلاث سنوات في بغداد. ومع ذلك، فإن توقيت الهجوم وتداعياته أمر بالغ الأهمية ولكنه مألوف نسبيا بالنظر لوجود ادارة امريكية جديدة والتوترات الإقليمية المتزايدة حيث تسعى إيران إلى تعزيز موقفها قبل احتمالية العودة الى الاتفاق النووي.

 

شبح التدخل السعودي وانتقام الميليشيات

يعتقد الكثيرون في أوساط الشعب العراقي -بناء على مقابلات وردود أفعال إعلامية- أن التفجيرات الانتحارية تم تنفيذها بشكل مباشر أو على الأقل بتسهيل من الأحزاب السياسية الحاكمة وأفرادها، كون هذه الهجمات النادرة قد حدثت بعد غياب طويل لنشاط تنظيم الدولة داعش في العاصمة العراقية، وكونها تزامنت ايضا مع بدء الحملة الانتخابية للانتخابات العامة المقرر إجراؤها في أكتوبر/تشرين اول. لا يوجد دليل على أن الهجوم كان عملا داخليا، ومع ذلك فإن الاتهامات تعكس استمرار السخط وعدم الثقة لدى العراقيين بالنظام السياسي بأكمله.

تضمنت التصريحات التي اعقبت الهجوم مزاعم مختلفة حول هويات الانتحاريين. قبل إعلان تنظيم داعش مسؤوليته، فقد زعمت حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي تابعة لـ(المقاومة العراقية) المزعومة، وهي مجموعة من الميليشيات تضم قيادات الحشد الشعبي وغيرها من الجهات الفاعلة غير الحكومية، أن الانتحاريين هم مواطنون سعوديون. كما زعمت سناء الموسوي، عضوة البرلمان عن تحالف الفتح، وهو الذراع السياسية لقوات الحشد الشعبي، أن الجناة سعوديون. الا أن المتحدث بإسم لجنة الأمن والدفاع بالبرلمان رفض هذه المزاعم قائلا إن المهاجمين كانوا مواطنين عراقيين.

ربط تنظيم الدولة داعش بالسعودية ليس جديدا ولا يقتصر على الميليشيات الأيديولوجية. فالاعتقاد السائد في العراق هو أن المملكة تشارك بعض المسؤولية في الفكر المتطرف الذي تحمله الجماعات المتطرفة. إلا أن ميليشيات المقاومة المشكّلة حديثا في العراق اتهمت السعودية بإرسال الانتحاريين وتنسيق الهجوم الذي وقع في ساحة الطيران. كما زعمت تلك المليشيات أنه قامت بعملا انتقاميا سريعا ضد المملكة بعد أقل من 48 ساعة. ان هذه الميليشيات الجديدة ليست جزءا من وحدات الحشد الشعبي المرتبط بالدولة، لكن يُشتبه في أنها مجموعات منشقة تم إنشاؤها لغرض الاستعانة بقوة خارجية لتنفيذ بعض الأنشطة التي لم تعد ميليشيات الحشد الشعبي قادرة على القيام بها دون عقاب.

تعرضت الدفاعات الجوية السعودية لما بدا أنه صاروخا أو طائرة مسيرة موجهة نحو العاصمة الرياض في 23 يناير/كانون ثاني . وعادة ما تُربط مثل هذه الهجمات بجماعة الحوثي المتمردة المسلحة في شمال اليمن، والتي عززت بشكل كبير عملياتها الهجومية بفضل دعم ومساعدة الحرس الثوري الإيراني. حيث استخدم المتمردون الحوثيون صواريخ بعيدة المدى وطائرات بدون طيار لمهاجمة منشآت المملكة العربية السعودية على مدار السنوات الخمس الماضية. ومع ذلك، فإن الجماعة المتمردة، التي غالبا ما تتفاخر بقدرتها على تحريك الحرب داخل الحدود السعودية، نفت تورطها في هجوم 23 يناير/كانون ثاني. الا انه بعد فترة وجيزة، أصدرت مجموعة مجهولة مقرها العراق تطلق على نفسها اسم "كتائب الوعد الحق" بيانا أعلنت مسؤوليتها عن هجوم الطائرات بدون طيار على المملكة العربية السعودية وهددت بهجوم ثان على دبي. ويبدو أن "الكتائب" هي واحدة من عدة ميليشيات جديدة، بناء على إشادة ودعم البيان الذي نُشر على قنوات المقاومة الرسمية على مواقع التواصل الاجتماعي.

وجاء في البيان أن هجمات الطائرات المسيرة جاءت ردا على الدعم المزعوم من دول الخليج العربية لتنظيم الدولة الإسلامية داعش. وأضافت المجموعة أنه سيتم إرسال طائرة مسيرة إلى الرياض "مقابل كل هجوم انتحاري" في العراق. نددت الولايات المتحدة بالهجوم في بيان عام دون أن تتطرق الى الجناة. في غضون ذلك، لم تعلق السعودية على مزاعم الميليشيات العراقية رغم إدانتها للتفجيرين. وأشاد أبو علي العسكري المسؤول الأمني ​​لكتائب حزب الله بالهجوم وهنأ الجماعة. وبعد يومين، اعترضت القوات السعودية ما وصفته بـ "هدف جوي معاد" يستهدف الرياض. ونفى مقاتلو الحوثي ضلوعهم في الهجوم، وأعلنت كتائب الوعد الحقيقي مسؤوليتها.

 

بعد حدوث الهجمات على السعودية، لا يمكن التحقق من ادعاءات الميليشيا ولا التأكد من نفي مقاتلي الحوثي. حيث لم تنشر السلطات السعودية معلومات تؤكد مسارات الطائرات والصواريخ التي اعترضتها اثناء محاولات الهجوم على اراضيها. لكن وقوع هجوم على السعودية من العراق سيمثل تحديا معقدا للحكومات في بغداد والرياض وواشنطن.

 

أن تنظيم الدولة داعش قدم لإيران فرصة ذهبية. حيث استغلت إيران، مع وجود قاسم سليماني على رأس فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، انهزام القوات العسكرية العراقية والذعر العام لتعزيز وتوسيع نفوذها الإقليمي

 

دور إيران في الميليشيات العراقية

نادرا ما تكون هجمات تنظيم الدولة داعش في الأراضي العراقية حدثا منفصلا دون أن يصاحب ذلك فوضى وتداعيات أخرى. حيث يستغل التنظيم الارتباك العام والاهتمام الإعلامي الناجم عن الهجوم ويراقب ردود الفعل المحتملة للأجهزة الأمنية وقوات التحالف لوضع استراتيجية للمرحلة المقبلة. وعادة لايكون تنظيم الدولة داعش الجماعة الوحيدة التي تجني الفوائد من تلك التداعيات.

يمكن القول إن التأثير الإيراني على الأجهزة الأمنية العراقية بدأ مع الغزو الأمريكي. وقد لعب فيلق بدر، الجناح العسكري للمجلس الاسلامي الأعلى العراقي، وزعيمه هادي العامري دورا مهما في وقت مبكر في وضع وزارة الداخلية العراقية بالكامل تحت سيطرة إيران. وبسبب وجود الجيش الامريكي انذاك كان التأثير خفيا. الا انه بعد انسحاب القوات الأمريكية من العراق، انزلقت البلاد في أعمال عنف من قبل الجماعات المسلحة التي سبقت ظهور تنظيم الدولة داعش. وقد اعتُبرت الاستراتيجية الأمنية الإيرانية فاشلة التي سمحت للقرى والمدن العراقية بالوقوع في آن واحد في قبضة تنظيم داعش أواخر 2013.

ومن المفارقات أن تنظيم الدولة داعش قدم لإيران فرصة ذهبية. حيث استغلت إيران، مع وجود قاسم سليماني على رأس فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، انهزام القوات العسكرية العراقية والذعر العام لتعزيز وتوسيع نفوذها الإقليمي. فقد تسلل الحرس الثوري الإيراني، تحت ذريعة محاربة تنظيم الدولة داعش إلى جميع القوات العراقية المقاتلة تقريبا. كان إنشاء قوات الحشد الشعبي خطوة حاسمة في ترسيخ الهيمنة العسكرية الإيرانية على العراق. اجبر ذلك الولايات المتحدة وتحالفها بالتعامل مع وجود طهران ويقدمون في بعض الأحيان دعما مباشرا عندما بلغ تهديد تنظيم داعش ذروته.

بدأت قوات الحشد الشعبي باستقبال متطوعين محليين لمحاربة التنظيم، كانت مرتبطة بالفتوى الغامضة للمرجع السيستاني، ثم فرضت نفسها تدريجيا كجزء رسمي من قطاع الأمن العراقي. تلتزم أقوى الميليشيات في قوات الحشد الشعبي، مثل كتائب حزب الله، بحماية مصالح إيران في العراق وكانت تعمل في بيئة متساهلة إلى حد ما حتى عام 2019، عندما بدأت الولايات المتحدة في تصنيف قادة الحشد الشعبي كإرهابيين واستهداف بعض ترسانات أسلحتهم. إحدى طرق تجنب المساءلة التي لجأت لها تلك المليشيات تتمثل في إنشاء مجموعات جديدة غير تابعة لقوات الحشد الشعبي. لتنفيذ هجمات، مثل ميليشيات عصبة الثائرين وربع الله، ضد القوافل العسكرية الأمريكية والسفارة الأمريكية، وداهمت الأماكن العامة التي اعتُبرت "غربية" أكثر من اللازم، واختطفت واغتال نشطاء، وهددت الاشخاص الذين دعوا الى الحرية. لقد كان نشاط هذه المجموعات إلى حد كبير داخل حدود العراق، لكن الهجمات الأخيرة على الرياض هي تصعيد كبير يستغل مرة أخرى نشاط تنظيم الدولة داعش داخل العراق لخدمة أطماع إيران الإقليمية على حساب استقرار العراق.

إذا كانت الميليشيات التي تتخذ من العراق مقرا لها مسؤولة عن الهجمات، حسب اعترافها، فسيكون هذا إحراجا لرئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي وسط تحسن العلاقات بين العراق والمملكة العربية السعودية. علاوة على ذلك، يضيف التصعيد قلقا أمنيا آخر في المنطقة سيدفع إدارة بايدن على أخذها في الاعتبار أثناء تحركها لإعادة الدخول في خطة العمل الشاملة المشتركة، والمعروفة أيضا باسم الاتفاق النووي الإيراني.

 

الجيش العراقي الممزق،أعطى المجال للجماعات المدعومة من الحرس الثوري الإيراني للمطالبة بدور كبير على الأرض.

 

إدارة بايدن

على الرغم من أن العراق مرة اخرى هو مركز تنظيم الدولة داعش ونشاط الميليشيات، والصراع الإقليمي، وتزايد الاستياء الشعبي من الحكومة، لا يبدو أن إدارة بايدن لديها استراتيجية مهمة للبلاد، وهو خطأ فادح اشتركت فيه إدارتي ترمب وأوباما. إن النظر إلى العراق بصرامة من منظور علاقة واشنطن بإيران خلقت وضعا تتعزز فيه الجماعات المسلحة على حساب سيادة العراق.

خلق تنظيم الدولة داعش والميليشيات تأثيرا "متأرجحا" في العراق بمعنى أن إضعاف إحدى الجماعات يقوي الأخرى، ودائما ما يكون ذلك بتكلفة باهظة على الشعب العراقي. يجب أن تكون مواجهة عودة تنظيم داعش المحتملة أولوية دائمية للولايات المتحدة والتحالف دون تردد ودون تعزيز الجماعات المارقة الأخرى. هناك مجال لإدارة بايدن للتغلب على هذه التعقيدات من خلال تقييم أين أخطأت كلتا الإدارتين السابقتين وصياغة سياسة لا تتطلب تصعيدا عسكريا.

تدخلت الولايات المتحدة في عام 2014  بشكل محدود، وبعد فوات الأوان ضد صعود تنظيم الدولة داعش الذي استولى على مساحات واسعة من العراق. لقد كانت القوة الجوية للتحالف أساسية في القضاء على قدرات التنظيم، لكن الجيش العراقي الممزق، باستثناء جهاز مكافحة الإرهاب المدرب من الولايات المتحدة، أعطى المجال للجماعات المدعومة من الحرس الثوري الإيراني للمطالبة بدور كبير على الأرض. لكن الواقع اليوم مختلف. فالجيش العراقي أكثر قدرة وأقل عرضة للانهيار مما كان عليه قبل ستة أعوام.

أن التعاون الأمريكي المتزايد مع جهاز أمني رسمي يمكن ان يؤدي إلى تهميش وتقيد دور الميليشيات. كما يمكن أن يقلل من شرعيتها ومصداقيتها دون اللجوء إلى المواجهة العسكرية أو التصعيد الذي قد يهدد استقرار العراق. ربما تواجه الإدارة الجديدة نفوذا إيرانيا أكثر رسوخا في العراق مما واجهه أسلافها. لكن هذا الوجود هو أيضا أقل تنظيما وأقل شعبية وأكثر عدوانية بعد خسارة سليماني.

يجب على واشنطن استخدام هذه الظروف عند إعادة التفاوض مع إيران بشأن الاتفاق النووي. لقد تم اظهار تأثير الميليشيات المدعومة من الحرس الثوري الإيراني في العراق بشكل خاطئ على أنه طبيعي وشعبي بينما هو في الواقع نتيجة نظام سياسي ضعيف والإكراه من خلال الترهيب. لقد استخدمت إيران هذه الحالة لصالحها في الدبلوماسية عند التفاوض على الاتفاق النووي، لذا لا ينبغي استبعاد مواجهتها بنفس الوسائل الدبلوماسية.

ويبدو ان الاحد الاسباب المعقولة، لعدم تعليق المملكة العربية السعودية لحد على مزاعم الميليشيات العراقية بمسؤوليتها عن الهجمات الأخيرة على الرياض، هو أن المملكة تفضل، في الوقت الحالي، التمسك باتهام جماعة الحوثي، حيث تراجع واشنطن تصنيفها الإرهابي للحركة اليمنية الموالية لإيران ومبيعاتها المفرطة من الأسلحة لدول الخليج. وقد يكون السبب الآخر هو علاقات الرياض الجيدة نسبيا مع الحكومة العراقية الحالية - وهو تناقض آخر لموقف العراق في عام 2014 وحافز جيد للبناء عليه. ومع ذلك، لن تتسامح الرياض مع مزيد من الاعتداءات من قبل الميليشيات المتمركزة في العراق، الأمر الذي من شأنه أن يعقد أي اتفاق أمني مستقبلي في المنطقة.

إن تجزئة التهديدات والتحديات الأمنية في المنطقة أدت إلى جعل العراق ضحية لأشكال مختلفة من الفوضى والإرهاب، والتي تسببت، في جميع السيناريوهات، برد فعل عنيف جدا، يجب أن تركز الولايات المتحدة على سياسة لا تقوي افتراضيا أي قوة معادية في العراق، ولا يمكن تحقيق ذلك إلا من خلال صياغة سياسة واضحة تجاه حكومة بغداد، تراها كجزء من حل إقليمي بدلا من اعتبارها نتيجة ثانوية لحرب لم تحظى بتأييد شعبي تم التنصل منها .

 

سي جي بولسي

 

menu-circlecross-circle