تلقت لجنة الصليب الأحمر الدولية، التي أشرفت على ملف أسرى الحرب الإيرانية العراقية، تأكيدات من الجانب الإيراني بخلو أراضيها من أسرى الحرب، وبأن آخر أسير عراقي عاد إلى بلاده عام 2003.
وأيدت حكومة العراق هذا الإدعاء، وعلى أساسه أغلق الملف بين البلدين عام 2011، لكن رجلاً عراقياً تجاوز الستين من عمره، ظهر في تسجيل مصور ليقول إنه قضى 40 سنة في معسكرات الأسر قبل أن يعود في كانون الثاني/ديسمبر 2020، أي بعد إغلاق الملف بتسع سنوات، مؤكداً أن العديد من الأسرى العراقيين مازالوا محتجزين هناك.
وتكرر مشهد الرجل الستيني أكثر من مرة خلال السنوات الأخيرة، وقال أسرى مفرج عنهم، إن حالات إطلاق سراح الأسرى نادرة جداً، وهم عادة من كبار السن أو من الذين يحصلون على "شفاعات".
وإلى جانب عدم تسليمه الرسائل التي بعثها ذووه له، أكد الأسير العائد إن أخبار بلده أيضاً قطعت عنه تماماً منذ سقوطه في الأسر، وقد تفاجأ بخبر الاحتلال بعد دخوله الأراضي العراقية.
وبحسب الإعلامي، الأسير السابق "محمد السيّد محسن"، فإن "هناك نحو 1700 أسير عراقي أحياء في إيران، ليس لديهم تواصل مع عوائلهم داخل العراق، وإن الإعلام حُجب عنهم تماماً ولا يعرفون ما يجري داخل العراق".
أسرى أم سجناء؟
وعرض السيد محسن في برنامج تلفزيوني حالات موثقة بالتواريخ والأسماء، لأسرى أجريت معهم لقاءات إذاعية بعد وقوعهم في الأسر في بداية الحرب من قبل إذاعات إيرانية، لكن إيران لم تعط موقفاً للحكومة العراقية ولا لذوي الأسرى، عما حل بهم بعد ذلك.
وفيما توقعت مصادر أخرى أن يكون عدد الأسرى المنسيين في إيران أكثر من 3 آلاف أسير، قال رئيس منظمة حقوقية معنية بحقوق الإنسان، إن إيران تحتفظ بهم لا بصفتهم أسرى، بل كمعاقبين وفق القضاء الإيراني، ولم يُكملوا حتى الآن فترات عقوباتهم التي تصل الى 80 سنة، ومنهم من حكم عليه ب 100 سنة.
وبحلول الثامن من آب 2023، تكون قد مرت خمس وثلاثون سنة على نهاية الحرب الإيرانية العراقية، وثلاث وأربعون على بدايتها، وما زال هؤلاء في زنازين النظام الإيراني، لا هم بأسرى حربٍ وضعت أوزارها، ولا هم بسجناء فتنتهي محكومياتهم ليعودوا إلى ذويهم، ولا شك أن العديد منهم قضى نحبه بانتظار نهاية الحرب، التي لا يعلمون أنها انتهت بالفعل منذ عقود.
وأضاف رئيس المنظمة الذي رفض الإفصاح عن اسمه لخطورة الموضوع، إن مسؤولين عراقيين مقربين من إيران ويتسنمون حالياً مناصب مهمة يعرفون حقيقة الأمر، لكنهم لا يجرأون على مفاتحة إيران به.
وأكد المصدر إن دائرة شؤون المحاربين القدماء التابعة لوزارة الدفاع، كانت قد فاتحت رئيس الحكومة الأسبق "حيدر العبادي" مرتين بالمسألة، لكنه لم يستجب ولم يتفاعل معها.
رحلة شاقة إلى إيران
وبعد أن يئسوا من المناشدات التي تقدموا بها لرؤساء الوزارات ووزراء الدفاع ولجان حقوق الإنسان وكافة الدوائر ذات العلاقة، سافر عدد من ذوي الأسرى إلى إيران في مسعى لمعرفة مصير أبنائهم.
وقال هؤلاء إنهم حصلوا على صور وأدلة على وجودهم، ويعرفون أماكن احتجازهم، وأكدوا في لقاءات تلفزيونية بعد عودتهم، إن السفارة العراقية في طهران زودتهم بكتاب إلى السلطات الإيرانية لتسهيل مهمتهم، لكنها تجاهلتهم ومنعتهم من مواصلة مسعاهم.
ولا يبدو أن الحكومات العراقية مهتمة بهذا الملف الذي يثار بين فترة وأخرى، حيث تركت المجال للجانب الإيراني، لينفرد بإطلاق تصريحات يفند فيها مسؤولون "مزاعم" العراقيين بوجود أسرى لديهم.
وفي حديث صحفي، نفى رئيس ملف الأسرى والمفقودين في هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الإيرانية العميد "محمد باقر زاده"، وجود أسرى عراقيين في بلاده، مؤكداً أن "وزارة الدفاع العراقية ولجنة الصليب الأحمر، سبق لهما أن أصدرتا نفياً لهذه المزاعم"
خلافاً للشريعة والقانون الدولي
وبحسب الشريعة الإسلامية التي يقول النظام الإيراني أنه اتخذها نهجاً له، لا تجوز معاملة الأسير معاملة سيئة، كما أولى القانون الدولي الإنساني أهمية خاصة للأسرى، باعتبارهم مقاتلين شرعيين لا مجرمين.
وسلط بحث نشره الدكتور "يوسف العطاري"، الضوء على معاملة الأسرى في الشريعة الإسلامية والقانون الدولي الإنساني؛ مشيراً إلى أن قواعد حماية ضحايا الحروب في الشريعة الإسلامية كقواعد ملزمة ترجـع إلى أربعة عشر قرناً، مقارنة بقواعد القانون الدولي الوضعي التي ظهرت منتصف القرن التاسع عشر، مؤكداً في الوقت نفسه أن التشريع الإسلامي يعتبر مثلاً يحتذى في احتـرام و حماية ضحايا النزاعات المسلحة، الداخلية والدولية على حد سواء.
وأكدت اللجنة الدولية للصليب الأحمر على عدم اعتبار احتجاز الأسرى "شكلاً من أشكال العقوبة، وإنما يهدف فقط إلى منع استمرار مشاركتهم في النزاع، وبالتالي يجب إطلاق سراحهم وإعادتهم إلى أوطانهم دون إبطاء، فور انتهاء العمليات العدائية"
وأكد العديد من المراكز الحقوقية، إن من بين الأنظمة التي وُثق شذوذها عن هذه القواعد، سواء الشرعي منها أم الوضعي، برز بشكل واضح النظام الإيراني، الذي خالف في تعامله مع الأسرى العراقيين الشرائع الإسلامية، مثلما خالف اتفاقية جنيف بشأن معاملة أسرى الحرب، ولم يسبقه في العصر الحديث في هذا السلوك غير الكيان الصهيوني، في معاملته للأسرى الفلسطينيين.