خلال ثماني عشرة سنة لم تستطع حكومات الإحتلال الخروج من دائرة الإقتصاد الريعي معتمدة على واردات النفط بنسبة تصل إلى 95% لتلبية كافة متطلبات الموازنة ولم تتمكن من استثمار العائدات النفطية طيلة هذه السنوات في بناء قاعدة اقتصادية متنوعة في مجالات مختلفة تقيها مخاطر تذبذب أسعار النفط ، وفي نهاية الأمر لم تستطع هذه الحكومات حتى أن تكون مجرد بائع نفط عادي كأي بائع آخر يرقب حركة السوق ويعرف قيمة بضاعته ليعرضها بما يحقق له ربحية تتناسب مع قيمة بضاعته، فقررت عام 2009 أن توكل الأمر برمته إلى الشركات الأجنبية من خلال جولات التراخيص لتطرح عقود النفط بالمزاد لشركات أجنبية فتجود عليها هذه الشركات بفتات ما تنعم به من خيراته ، وهنا يتساءل المراقب العادي إن كانت هذه الحكومات "لا تستطيع" بالفعل أن تقوم بذلك أم "لا تريد" ، ولماذا اختارت وزارة حسين الشهرستاني أسهل الحلول ولم تحاول تثوير الإمكانات البشرية التي يزخر بها بلد نفطي مثل العراق سبق له أن اعتمد على نفسه في العملية الإنتاجية كلها بخبرات محلية ، أو على الأقل أن يكون للجانب العراقي دور أكبر في تحديد حصته من مصدر عيشه الوحيد، هل لأن وزارته لا تستطيع أم لا تريد أن تقوم بذلك ؟
الشركات الأجنبية استولت في موازنة 2021 على أموال تعادل موازنة 12 وزارة.
جولات التراخيص خطيئة كبرى
بحسب وصف الخبير الاقتصادي وأستاذ الاقتصاد في جامعة البصرة نبيل المرسومي فإن جولات التراخيص "خطيئة كبرى" رهنت حقول النفط جنوب البلاد لأكثر من 25 عاما، وأن الشركات الأجنبية استولت في موازنة 2021 على أموال تعادل موازنة 12 وزارة. وقال المرسومي في لقاء صحفي إن التعديل الذي أجري عام 2015 بعد 6 سنوات على انطلاق جولات التراخيص نتيجة الإعتراضات الكثيرة التي جوبهت بها كان في صالح الشركات وليس العكس حيث "جاء بامتيازات اكبر للشركات واكثر اجحافاً بحقوق العراق" مؤكداً إن النفط العراقي رُهن للشركات الخاصة بجولات التراخيص لأكثر من 25 عاماً ، وأن هذه الشركات "حصلت على مايعادل 80% من وزارة النفط في موازنة 2021" مؤكداً إن أكثر من 195 مليار دولار خسرها العراق في 10 سنوات بسبب جولات التراخيص وأن الشركات العراقية قادرة على الإنتاج وبكلفة أقل. وأضاف المرسومي إن الشركات العراقية كانت تنتج برميل النفط بأقل من دولار واحد قبل 2009 لكن الكلفة ارتفعت إلى عشرة أضعاف بعد جولات التراخيص. وقارن الخبير الإقتصادي بين كلفة زيادة إنتاج مليون برميل بجهود عراقية وبين ما يتحقق بجولات التراخيص بالقول "إن معدل زيادة إنتاج مليون برميل عالمياً تكلف 15 مليون دولار وفي العراق من المفترض أن تكلف 13 مليون دولار بجهود الشركات العراقية، إلا أن شركات جولات التراخيص كلفت العراق زيادة المليون برميل 46 مليون دولار" مؤكداً "إن كلفة انتاج برميل النفط العراقي زادت 10 اضعاف بعد جولات التراخيص"، محذراً في الوقت نفسه من "جولة تراخيص نفطية سادسة يجري الإعداد لها لإحالة ما تبقى من حقول النفط العراقية إلى الشركات الاجنبية" وقال إن هذه الجولات سوف " تتيح مشاركة الشركات الاجنبية في استخراج وإنتاج النفط العراقي مقابل حصة من النفط تؤدي لفقدان نحو ثلث الإيرادات النفطية من العراق لصالح هذه الشركات".
إلغاء جولات التراخيص أم مراجعتها
وحيث أن المراجعة والتعديل الذي تم عام 2015 أفضى إلى نتائج عكسية صبت في صالح الشركات الأجنبية لا في صالح العراق فقد تعالت مجدداً الأصوات المطالبة بإلغائها بدلاً من مراجعتها . وقال النائب جمال المحمداوي إن "شركة النفط الوطنية سومو باعت برميل النفط في الشهر الثاني والثالث العام الماضي بـ16 دولارا وهو يكلف العراق 20 دولاراً”، مطالباً بإلغاء جولات التراخيص النفطية التي استنزفت ثروات البلد ولا جدوى اقتصادية من ورائها. ويرى المحمداوي أن استجواب وزير النفط الأسبق حسين الشهرستاني في السنوات السابقة حول هذا الموضوع لم يأت بنتيجة، لأن “الكتل السياسية وقفت معه" . وكان مجلس النواب قد استجوب الشهرستاني عام 2009 وهو من كتلة المستقلين في ائتلاف دولة القانون بزعامة نوري المالكي بسبب سوء إدارته لوزارته وحالات الفساد المالي والإداري . وحاول الشهرستاني في ذلك الوقت التملص من حضور جلسة الإستجواب بحجة "اعتزامه أداء فريضة الحج،" لكن موعد الجلسة تم تقديمه، ومع ذلك لم يخرج المجلس من استجوابه بنتيجة تذكر.
الشركات تتقاضى مبلغاً كبيراً على البرميل الواحد ، بلغ في بعض الاحيان 20 دولاراً عندما كان سعر البرميل مرتفعاً مما جعل الأمر غير مؤثر ، واليوم أصبح من الضروري تخفيض هذه النسبة على البرميل الواحد خاصة مع تخفيض حصة العراق في اوبك.
خطط بديلة
من ناحيته طالب الخبير الإقتصادي رعد تويج بوضع بديل وطني لجولات التراخيص من خلال إجراء مفاوضات جديدة مع شركات النفط تضمن خفض ما تتقاضاه مقابل البرميل الواحد . ونقل عنه أحد المواقع الصحفية قوله " إن تلك الشركات تتقاضى مبلغاً كبيراً على البرميل الواحد ، بلغ في بعض الاحيان 20 دولاراً عندما كان سعر البرميل مرتفعاً مما جعل الأمر غير مؤثر ، واليوم أصبح من الضروري تخفيض هذه النسبة على البرميل الواحد خاصة مع تخفيض حصة العراق في اوبك. " ومن أجل الخروج بحل منصف اقترح تويج خطتين الأولى خطة طوارئ للتعامل مع هذه الشركات تضمن عدم انقطاع الإنتاج النفطي في حال انسحابها، أما الثانية فتشمل وضع استراتيجية لإشراك الكوادر النفطية الوطنية في العملية الإنتاجية مثل شركة نفط البصرة و ذي قار.
ومن المعروف أن جولات التراخيص منحت للشركات الأجنبية امتياز حماية مصالحها حيث أنها لا تتحمل أي مخاطر محتملة في التنقيب أو في حالة انخفاض أسعار النفط ولن تتأثر بأي طارئ يعترض السوق النفطية، بينما يتحمل الجانب العراقي كل التبعات المترتبة على مثل هذه الطوارئ التي لا يمر شهر دون حدوثها.