تحت ضغط الاحتجاجات الشعبية على نقص الخدمات العامة والفساد وهدر المال العام، إضطر رئيس الوزراء الاسبق "حيدر العبادي"، لاتخاذ سلسلة من القرارات في حزيران/يونيو من عام 2015، بهدف خفض النفقات المالية، وإغلاق أبواب الصرف غير المهمة، كان من بينها إلغاء مناصب نواب رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء، الذين بلغ عددهم ثلاثة نواب لكل منهما. وشمل القرار حينذاك نوري المالكي وأياد علاوي واسامة النجيفي نواب رئيس الجمهورية، وبهاء الأعرجي وروز نوري شاويس وصالح المطلك نواب رئيس الوزرا، ثم عادت مناصب نواب رئيس الوزراء في ولايتي عادل عبد المهدي ومصطفى الكاظمي، لكن منصب نائب رئيس الجمهورية بقي شاغراً.
اليوم وبعد 7 سنوات على القرار، عاد الحديث في أروقة مجلس النواب عن تسمية نائبين لرئيس الجمهورية، بعد اختيار رئيس الوزراء "محمد شياع السوداني" نائبين له. وقال مصدر في مجلس النواب، إن "تسمية رئيس الحكومة الجديد نواباً له من داخل كابينته الوزارية، كانت ضمن اتفاق على إعادة مناصب نواب رئيس الجمهورية أيضاً".
ودأبت الحكومات العراقية بعد الاحتلال، على تسمية نائبين لكل من رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء ورئيس مجلس النواب، لكن الترضيات الحزبية ومقتضيات المحاصصة، رفعت عدد هذه المناصب إلى ثلاثة قبل إلغائها.
أزمة عدم الثقة
وبحسب مصادر صحفية، فإن هناك شبه اجماع على اعادة مناصب نواب الرئيس منذ تشكيل حكومة الاطار التنسيقي برئاسة محمد شياع السوداني، ولا يؤخرها غير الاتفاق على أسماء المرشحين. ونقلت هذه المصادر عن نواب في البرلمان قولهم، إن التحرك الحالي هو لمعالجة خلل دستوري بعدم وجود نواب للرئيس، كما أكد النائب "عدنان الجابري" هذا التوجه بقوله، إن الكتل السياسية "ستبدأ بمناقشة تسمية نواب رئيس الجمهورية، وهذا يُعدّ جزءاً من عملية الاستحقاقات الدستورية التي تأخرت أكثر من عام، منذ إجراء الانتخابات المبكرة في العاشر من تشرين الأول/ أكتوبرمن العام الماضي".
ورغم أن الدستور لم يحدد ديانة أو طائفة أو قومية أي مسؤول، سواء في المناصب العليا أو غيرها، لكن الأحزاب الحاكمة اتفقت على توزيعها كحصص أطلقت عليها "استحقاقات"، حيث أصبح منصب رئيس الجمهورية للكرد، ورئيس الوزراء للشيعة، ومُنح منصب رئيس البرلمان للأحزاب السنية المشاركة في العملية السياسية، فيما شمل نظام المحاصصة مناصب نواب الرؤساء الثلاثة أيضاً.
وعزا مراقبون طريقة توزيع المناصب بين الاطراف الحاكمة والتنافس عليها، إلى أزمة عدم الثقة بينها، حيث يسعى كل طرف ليكون قريباً من مصدر القرار، بما يمكنه من ضمان أكبر قدر ممكن من الامتيازات والمكاسب.
أبرز المرشحين
وأشارت مصادر صحفية، إلى أن رئيس الوزراء الاسبق نوري المالكي، الذي لم يفلح بالحصول على منصب رئيس الوزراء، يسعى للوصول الى كرسي النائب الأول لرئيس الجمهورية، من خلال الاطار التنسيقي الذي يتزعمه. وأوضح القيادي في دولة القانون "وائل الركابي"، إنّ "ائتلاف إدارة الدولة قرر فتح باب الترشيح للمنصب، وسيحسم الملف خلال أيام قليلة"، مؤكداً أنّ "المرشح الأبرز من طرف الإطار التنسيقي هو المالكي". ويضم ائتلاف إدارة الدولة، الأحزاب الحاكمة الرئيسة باستثناء التيار الصدري. وأضاف الركابي، إنّ "منصب النائب الثاني للرئيس من استحقاق القوى السنية التي لم ترشح حتى الآن شخصية محددة"، لكن مصادر مطلعة رجحت ذهاب المنصب الى زعيم تحالف السيادة "خميس الخنجر."
ولم يحدد دستور 2005 أي صلاحيات لنائب الرئيس، الذي تتمسك به الاحزاب الحاكمة، وتعتبره حقاً دستورياً. كذلك لا يمتلك رئيس الجمهورية أي صلاحيات، باستثناء التشريفية منها، كتقليد الأنواط والأوسمة وتوقيع المراسيم الجمهورية، وتمثيل البلاد في المؤتمرات. ويرى مراقبون أن الرئيس الحالي "عبد اللطيف رشيد"، البالغ من العمر 78 عاماً، لم يفلح حتى بتمثيل البلاد في المحافل الدولية، حيث اُشرت عليه أخطاء بروتوكولية أثناء مراسم تنصيبه، وخلال استقبال الرئيس الجزائري له في القمة العربية الأخيرة، ألتي عقدت الشهر الماضي في العاصمة الجزائرية.
الحكم من خلف الستار
وتساءل مهتمون بالشأن السياسي، عن جدوى إعادة منصب نائب الرئيس وما الذي يمكن أن يضيفه، غير أن تكون هذه المحاولات تكريساً للمحاصصة التي رفضها العراقيون منذ تأسيس النظام الحالي. وبهذا الخصوص قال الخبير بالشأن السياسي "أحمد النعيمي"، إن "منصب نائب رئيس الجمهورية من ضمن الأمور التي أوردها الدستور دون أن يحدد طبيعة عمله أو مهامه"، مضيفاً: "إذا كان رئيس الجمهورية نفسه بلا صلاحيات تنفيذية، فماذا ستكون فائدة نائب الرئيس، وما الداعي لأن يكون له نائبان، إلا محاولة ترضية وتوزيع كراسٍ بين الكتل السياسية"، فيما تساءل آخرون إن كانت الأسباب التي أدت إلى إلغاء المنصب قد زالت، ليعاد إنتاجه من جديد.
واعتبر النعيمي أن الخطوة لا تعدو كونها "هدراً مالياً بغطاء دستوري "، و "تأكيداً لعودة العملية السياسية إلى مربع المحاصصة الأول، الذي تكوّن بعد الغزو الأميركي عام 2003، أو ما يمكن الاصطلاح عليه بأنه (إعادة ضبط المصنع) للعملية السياسية".
وبغض النظر عن الصلاحيات، وجد محللون سياسيون أن سعي المالكي لمنصب النائب الاول لرئيس الجمهورية، يندرج ضمن مساعيه لتسيير الحكومة وفق أهوائه، وهي مهمة يقوم بها بالفعل من خلال دفع إطاره التنسيقي لمحمد السوداني المقرب منه لمنصب رئيس الوزراء، لكن منصب النائب الأول يعيده رسمياً الى الواجهة، وهي الصورة التي يريد المالكي أن يظهر بها، بدل إدارة شؤون البلاد من خلف الستار.