زيارة البابا فرنسيس للعراق وسياسة "النظر بعين واحدة"

hozaya
11 آذار، 2021

 

انتهت زيارة رئيس دولة الفاتيكان وبابا الكنيسة الكاثوليكية في العالم فرنسيس للعراق تاركة خلفها سيلاً من الأسئلة عن أسباب زيارته في مثل هذا التوقيت من تاريخ البلاد والمنطقة، وفي مثل هذا الظرف الذي ينتشر فيه الفايروس القاتل، وهي أول مرة يغادر فيها بلاده منذ انتشار الوباء، وعن وضع منهاج الزيارة وتحديد الأماكن التي يزورها والشخصيات التي يلتقيها، حيث لا يمكن أن تترك للصدفة أي مفردة من هذه المفردات، لكن بعد عودة البابا إلى بلاده انكشف الكثير من الخفايا واتضحت أجوبة هذه الأسئلة. وكانت "يقين" قد نشرت تقريراً قبل الزيارة تحدث عن توقيتها مع دعوات البدعة المعروفة ب "الدين الإبراهيمي" من جهة وبمسلسل التطبيع السياسي مع الكيان الصهيوني من جهة أخرى. وأماط منهاج الزيارة اللثام عن بعض جوانب هذه الدعوات، وأجاب عن تساؤلات الكثيرين، خاصة حول ما إذا كانت دوافع هذه الزيارة سياسية أم دينية.

 

زيارة البابا سياسية بامتياز، من حيث الأهداف والأبعاد والتفاصيل، كما ظهر من الجولات واللقاءات والكلمات والتصريحات التي تضمنتها؛ وليست زيارة حج، لأنها ليس محجاً معروفاً لأي ديانة.

زيارة دينية أم سياسية؟

تتشابك الأهداف الدينية بالسياسية في بعض الحالات، منها عندما يكون صاحب الموقع السياسي الأول في الدولة رجل دين، أوعندما يكون رجل الدين مسخّراً لخدمة أهداف سياسية، بغض النظر عن الديانة التي تنتمي لها الشخصية المعنية. وفي موضوع زيارة البابا تكفي نظرة سريعة لما تمخضت عنه لمعرفة ما إذا كانت الزيارة دينية أم سياسية. واختلفت توصيفات الشخصيات والمنظمات المعنية لهذه الزيارة، فقد اعتبرتها هيئة علماء المسلمين في العراق في بيان لها "سياسية بامتياز، من حيث الأهداف والأبعاد والتفاصيل، كما ظهر من الجولات واللقاءات والكلمات والتصريحات التي تضمنتها؛ وليست زيارة حج" كما قال البابا، مؤكدة أن العراق "ليس محجاً معروفاً لأي ديانة" بحسب ما جاء في البيان الذي أصدرته الأمانة العامة للهيئة بهذه المناسبة. واعتبر البيان الذي حمل الرقم 1464 إن الزيارة كانت "حملة مهمة من حملات العلاقات العامة الدولية؛ لترسيخ الأوضاع الشاذة في العراق، وإضفاء المشروعية اللازمة على النظام السياسي العنصري فيه، القائم على مخالفة قواعد السلام العالمي والسلم المجتمعي، التي تجعلها دولة الفاتيكان في سلم أولويات علاقاتها الدولية، وتصبغ بها خطابها السياسي." وسجل البيان العديد من الملاحظات حول الزيارة، منها أن البابا لم ينتقد  -ولو بتحفظ- "نظام المحاصصة الطائفية والعرقية القائم في البلاد، والمتسبب بتفتيت نسيج المجتمع العراقي؛ بل كانت زيارته داعمة للحكومة، والميليشيات الساندة لها، التي تعيث بأمن البلاد وتهدد أمن المنطقة جميعاً، وتعد أكبر أوجه الإرهاب الذي عمل على تهجير العراقيين، ومنهم المسيحيون" بحسب البيان

 

 

النظر بعين واحدة

واعتبر البيان أن الزيارة لم تنصف الضحايا العراقيين جميعًا، مؤكداً أنها كانت انتقائية بدليل ما أكده البابا بنفسه خاصة في خطابه على أنقاض مدينة الموصل المدمرة، والتي مازالت جثث الكثير من أبنائها تحت الأنقاض حتى الآن، ولم يقم في حينها "بإدانة الدمار الشامل للمدينة وقتل أبنائها على يد القوات الدولية والحكومية والميليشياوية، مكتفيًا بإدانة جرائم القتل قبل غزو المدينة وتدميرها فقط". وأكد البيان أن لقاء البابا بقادة الميليشيات وزعماء الحشد ورعاة العملية السياسية بمثابة تكريم لهم، الأمر الذي يتناقض مع دعوته إلى" إنهاء ظاهرة انتشار السلاح بين أيدي جماعات خارج سيطرة الدولة"

 

لقاء البابا بمرجع شيعي واحد دون غيره من المكونات العراقية الأخرى والديانات في العراق حمل رسالة سلبية

 

الزيارة والتظاهرات

وانتظر العراقيون أن يكون للمتظاهرين منذ أكثر من عام حيز من اهتمام البابا، خاصة متظاهري الناصرية الذين خص مدينتهم بالذات بزيارته ، لكن كثيراً من المتابعين للشأن العراقي اتفقوا مع بيان الهيئة بأن الزيارة تجاهلت تماماً مطالب الشعب بالتغيير الذي عبرت عنه مؤخراً تظاهرات الناصرية، ولم يقم البابا بإدانة قمعهم. وقال عضو اللجنة العليا للميثاق الوطني العراقي عبد القادر النايل في حديث صحفي إن "زيارة البابا في هذا التوقيت الحساس من فشل الأحزاب السياسية والانعزال الدولي والمحلي للسلطات الحكومية، استغِلت من الحكومة" لكنه أكد "إن هذا الشيء لن يغير قناعات الشعب منهم، ولن يتخلى عن مطالبته بإزاحتهم". وعبر النايل عن اعتقاده بأن لقاء البابا بمرجع شيعي واحد دون غيره من المكونات العراقية الأخرى والديانات في العراق حمل رسالة سلبية، مؤكداً إن "الشعب العراقي وضع إشارات عتب كبيرة على اهتمام البابا بالمليشيات والأحزاب التي تلطخت  أياديهم بالدماء العراقية تحديداً منها متظاهري ثورة تشرين الأول/أكتوبر".

وتوقفت خلال الزيارة أعمال العنف ولم تقم الميليشيات ولا القوات الحكومية بما اعتادت القيام به حتى وصول الزائر، كما لم تسجل أي حادثة أمنية .

 

مكتب خامنئي أول المهنئين

وأشاد محسن قمي مساعد مدير مكتب خامنئي "بالمواقف الحكيمة" للسيستاني خلال لقائه بالبابا فرنسيس، ووصفها بأنها "مصدر عز وفخر للإسلام". وسارعت القنوات الخبرية والفضائية المقربة من النظام الحاكم في إيران لبث وقائع الزيارة وقالت إحدى هذه القنوات إن العراق أراد "أن يظهر للعالم استتباب الأمن والتعايش السلمي بين جميع طوائفه وأديانه" مركزة على إشادة حزب الله اللبناني بها "وبنتائجها الإيجابية، وخاصة لقاءه السيستاني." وجاء في بيان هذا الحزب أنه يأمل "أن تكون الزيارة مدخلاً للعراق لاستعادة دوره على الساحة الدولية والإقليمية وتعزيز وحدته الوطنية وحقه الطبيعي بالسيادة والاستقرار" حسب تعبيره. وسخر أحد المدونين مما جاء في البيان، معلقاً بالقول "شكراً نصر الله ، لقد كان لميليشياتكم دور كبير في استتباب الأمن والتعايش السلمي، كان عليكم اصطحاب ضيفكم بجولة في السجون السرية ليشاهد كيف يتم التعايش السلمي".

وانضم النائب المسيحي يونادم كنا الى قائمة المهنئين حيث قال في تصريح له ان الزيارة "اعطت رسالة ايجابية عن التعايش السلمي في العراق" وأنها " تعطي انطباعاً طيباً عن الاخوة والتسامح بين الاديان وتشدد على اعتماد لغة الحوار " متناسياً إن سهل نينوى الذي يعتبره الفاتيكان "مهد المسيحية في بلاد ما بين النهرين" ما زالت تحتله الميليشيات وتنطلق منه في هجماتها ضد المدنيين في أربيل.

وكان رئيس دولة الفاتيكان وبابا الكنيسة الكاثوليكية في العالم البابا فرنسيس قد أجرى لقاءاً مغلقاً مع المرجع الشيعي علي السيستاني خلال هذه الزيارة، قبل أن يغادر النجف دون تعليق لوسائل الإعلام، لكنه قال خلال مؤتمر صحفي عقده في طائرته التي أعادته إلى روما إن لقاءه بالسيستاني، "أراح نفسه"، ووصفه بـ "الرجل المتواضع والحكيم، وأنه يتمتع بالحكمة وهو رجل دين كبير وحكيم وتقي" بحسب وصفه.

 

menu-circlecross-circle