صحا البغداديون صباح الخميس الماضي على دوي عجلات عسكرية ومدنية، تحمل أرقاماً حكومية ومدنية يعتليها مسلحون ملثمون يرتدون زياً موحداً، مدججون بأسلحة خفيفة ومتوسطة تجوب الشوارع في مناطق عدة من شرقي القناة حتى الكرادة على مشارف المنطقة الخضراء المتخمة بمقرات حكومية ومناطق إقامة كبار المسؤولين والبعثات الأجنبية، بغياب تام لأجهزة الجيش والشرطة. وبحسب مصدر أمني في قيادة عمليات بغداد فإن قيادته "تلقت إشعاراً بوجود استعراض عسكري لميليشيا مسلحة"، لكنه أكد في اتصال مع أحد المواقع الألكترونية إنه "لم تصدر أوامر بالتدخل أو الاعتقال"، وتراوحت أعداد عجلات الميليشا المستعرضة والتي تطلق على نفسها اسم "حركة ربع الله" بين 40 و 60 عجلة. ورغم أن المظاهر المسلحة أصبحت جزء من الحياة اليومية في بغداد وبقية المحافظات، ورغم أن هذا لم يكن النشاط الأول لهذه الميليشيا إلا أن استعراضها بالشكل الذي ظهرت به أثار ردود أفعال واسعة مازالت تتردد حتى الآن. ولعل من أغرب ردود الأفعال بحسب مراقبين كان تصريح المتحدث باسم قيادة العمليات المشتركة اللواء تحسين الخفاجي، الذي قال إنه علم بالأمر من المقاطع المنشورة على مواقع التواصل، وأضاف "لقد تفاجأنا من مقاطع انتشار المسلحين وبدأنا اتصالاتنا لمعرفة الاسباب". الخفاجي لم يلمح لإجراءات ملاحقة المسلحين، لكنه قال إن القوات الأمنية بدأت "جهداً أمنياً لمعرفة أسباب انتشار المسلحين". وامتنع المتحدث باسم القائد العام للقوات المسلحة يحيى رسول عن الإجابة على أسئلة وجهت له بشأن هذا الاستعراض بعد تغريدة له على تويتر وصف فيها الجيش العراقي الحالي بـ"جيش الانتصارات".
أما رئيس الوزراء الذي أظهرت المقاطع صوره وصور وكيل وزارة الداخلية لشؤون الاستخبارات الفريق أحمد أبو رغيف بشكل مهين في الإسعراض فقد اكتفى بالقول في تصريح صحفي له إن "استعراض اليوم الهدف منه إرباك الوضع وإبعاد العراق عن دوره الحقيقي"، مضيفاً إن "هناك من يعتقد أنه بالسلاح يهدد الدولة"
ويبدو أن تهديد هذه الميليشيا للكاظمي وأبو رغيف خلال الإسعراض يأتي على خلفية حادثة الدراجة التي انفجرت في منطقة المشتل قبل الإستعراض بيومين وأودت بحياة أربعة أشخاص. وكانت الدراجة قد انفجرت وعلى متنها شخصان كانا ينويان زرع عبوة ناسفة حيث قتل أحدهما ونقل الآخر لمسشفى إبن النفيس، وحاولت هذه الميليشيا اختطافه للحيلولة دون إدلائه بمعلومات للسلطات الأمنية لكن قوة أمنية تصدت لها.
اللجوء الى السلاح لتحقيق المطالب أمر مرفوض يجب على الحكومة الحيلولة دون وقوعه مرة أخرى
مطالب المسلحين
وقرأ أحد المسلحين بياناً طالب فيه بـ"خفض سعر الدولار" وبالإمتناع عن منح موازنة لإقليم كردستان. وعبر خبراء سياسيون عن اعتقادهم أن إعلان هذه المطالب جاء كمحاولة لكسب ثقة الشارع بهم من خلال طرح قضايا تمس أوضاع المواطن الإقتصادية. وعبر الخبير السياسي أحمد الشريفي عن قناعته " بتراجع الرصيد الجماهيري للحركات السياسية بالعموم والإسلامية على وجه الخصوص"، لذلك عمدوا لطرح مطالب "تقترب من مشاعر العراقيين" مؤكداً وجود غايتين أساسيتتين من هذا التحرك هما "إعادة ترميم العلاقة بينهم وبين الشعب العراقي" و"الصراع على السلطة"، لكنه عبرعن ثقته بأن العراقيين أصبحوا يدركون "إن النظام السياسي برمته وفي مقدمته هذه الأحزاب قد فشل ولا يمكن إنتاجه مرة أخرى".
الجميع أنكر صلته
وحال انتشار خبر الإستعراض بادرت زعامات الأحزاب والميليشيات بإعلان براءتها من المستعرضين وجهلها بما يحدث. فقد غرد زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، مطالباً الحشد الشعبي بمعاقبة حركة "ربع الله" لانتشارهم المسلح في بغداد، مضيفاً في تغريدته على موقع تويتر بعد ساعات من الإستعراض إن "اللجوء الى السلاح لتحقيق المطالب أمر مرفوض يجب على الحكومة الحيلولة دون وقوعه مرة أخرى"، فردت مواقع تابعة لهذه الميليشيا على تغريدته بنشر مقاطع مصورة لاستعراضات استفزازية سابقة لسرايا السلام التابعة للصدر في منطقة الأعظمية. ونفى الحشد الذي ناشده الصدر بمعاقبة هذه الحركة أي صلة له بالموضوع ، وجاء في بيان له أنه ينفي "نفياً قاطعاً وجود أي تحرك عسكري لقطعات الحشد الشعبي داخل العاصمة بغداد" مؤكداً أنه يأتمر بأوامر القائد العام للقوات المسلحة. وانتقد رئيس تحالف "الفتح" هادي العامري الاستعراض معتبراً في بيان له أن "الانتشار المسلح أمر مرفوض وتحت أي ذريعة كانت". وتساءل مواطنون تابعوا هذه البيانات "إن كان الجميع ينكر صلته بهؤلاء فمن يقف وراءهم إذن؟".
تم نقل قوات من الحشد الشعبي التي يشرف على إدارتها ودعمها إلى أحد أطراف بغداد وأن هذا النقل روتيني، ولا يحتاج للتنسيق مع أي جهة.
من يقف وراءهم؟
ورغم أن ميليشيا حزب الله التابع للحشد قالت هي الأخرى إن هذا الاستعراض المسلح "غير مقبول". إلا أن التبرير الذي سوقه بيانها فضح صلتها بهذه الجماعة. فقد جاء في البيان الذي أصدره المتحدث العسكري باسمها أبو علي العسكري إنه "تم نقل قوات من الحشد الشعبي التي نشرف على إدارتها ودعمها إلى أحد أطراف بغداد " وأن "هذا النقل روتيني، ولا يحتاج للتنسيق مع أي جهة، وبسبب بعض العوامل الأمنية والفنية تغير مسار الرتل إلى وسط العاصمة" في إشارة للإستعراض العسكري، الأمر الذي عده مراقبون اعترافاً بتبعية هذه الجماعة لحزب الله وبالتالي للحشد خلافاً لمحاولات التنصل وخلافاً للتوصيف الذي تطلقه حركة "ربع الله" على نفسها. ووفق بياناتها تقول هذه الحركة إنها "قوة غير مدعومة من حزب غايتها ردع من يعتدي على المذهب". ووفقاً لهؤلاء المراقبين فإن الحركة انطلقت بمباركة الحشد الشعبي لتنفيذ أجندات لا يريد الحشد أن ينسبها لنفسه.
سوابق وبصمات
وربطت تقارير صحفية بين الإستعراض وبين نشاطات سابقة لهذه الميليشيا العام الماضي، ففي الثامن عشر من مايس 2020 قامت بالإعتداء على مقر قناة mbc بعد عرضها برنامجاً فيه شهادات عن دور "أبو مهدي المهندس" في تفجير السفارة العراقية في بيروت أواخر عام 1981 ، وكانت هناك بصمات لميليشيا جديدة تسمي نفسها "ربع الله" ترتدي زياً موحداً، ويعتقد أن ذلك كان أول ظهور لها، ثم أعقبتها عملية إحراق قناة دجلة الفضائية نهاية آب 2020 والتي لم تعترضها القوات الحكومية. وفي مطلع تشرين الأول/أكتوبر الماضي دعا هوشيار زيباري القيادي في الحزب الديموقراطي الكردستاني ووزير المالية والخارجية الأسبق في برنامج تلفزيوني إلى "تنظيف" المنطقة الخضراء من "التواجد الميليشياوي الحشدي" ضمن ترتيبات اعتبرها زيباري ضرورية لأمن المؤسسات الدولية والحكومية المتواجدة في المنطقة الخضراء. ولم يمض إسبوعان حتى أحرقت هذه الحركة مقر الحزب الديمقراطي الكردستاني في بغداد وكتبت على بوابته عبارة "ربع الله"، وقال في حينها مصدر في وكالة الاستخبارات التابعة لوزارة الداخلية رفض الكشف عن اسمه أن الفاعل هو مجموعة تابعة لحزب الله. وفي أواخر تشرين الثاني/ اكتوبر من العام نفسه اقتحمت هذه الجماعة فندقاً في بغداد يضم احدى قاعات المساج واعتدت على النزلاء والفتيات العاملات فيه ضمن "تصفية حسابات" قالت مصادر صحفية في حينها أنها تتعلق بدفع إتاوات تفرضها الميليشيات على هذه الفنادق.
وتحيط بهذه الحركة شبكة من المنصات الإعلامية على مواقع التواصل الإجتماعي تقوم بإطلاق تهديدات ضد الناشطين وتبث أناشيد مصورة بتقنيات عالية، وقالت تقارير صحفية أن عناصر هذه الميليشيا يحصلون على تدريب عسكري ولديهم ميادين رمي، وظهروا في استعراضهم بأعتدة واسلحة متنوعة. وتساءل ناشطون "كيف يمكن لحركة شبابية غير مدعومة من أحد أن تقوم بكل هذه العمليات بإمكانيات قد تفوق ما تمتلكه الدولة وأجهزتها الأمنية؟"