تزايدت في الآونة الأخيرة ظاهرة الجثث المجهولة الهوية، التي تكتظ بها دوائر الطب العدلي في بغداد والمحافظات، مثيرة القلق بشأن الآلاف من المغيبين العراقيين منذ أعوام ولا يعرف مصيرهم حتى الآن، كما يشير اكتشاف المزيد من المقابر الجماعية إلى أن كثيراً من الجثث ترسل إلى هذه المقابر عندما لا يتم التعرف على أصحابها. وذكر أحد الأطباء لمندوب قسم حقوق الإنسان في هيئة علماء المسلمين في العراق، إن في دائرة الطب العدلي ببغداد "أعداداً كبيرة من الجثث التي تقيد بأنها مجهولة الهوية"، مؤكداً إن "هناك زيادة ملحوظة بأعداد هذه الجثث خلال الأشهر القليلة الماضية، ويكمن السبب وراء اكتظاظ الجثث إلى جانب عدم إعلان السلطات المعنية عن العثور على جثث جديدة، وجود عقبات كثيرة تحول دون تمكن ذوي الضحايا من القدوم لاستلامها، فضلًا عن تعرض الجثث للتفسخ وتغير الملامح، الأمر الذي يزيد من الصعوبات أمام إمكانية التعرف عليهم من قبل ذويهم، في حال تمكنهم من الوصول إلى الدائرة"، وألمح الطبيب الذي فضل عدم ذكر اسمه إلى "وجود تقصير حكومي واضح في التواصل مع ذوي المختطفين وضمان معرفتهم بأي جديد حول مصير أبنائهم." وبين تقرير لقسم حقوق الإنسان في الهيئة المذكورة صدر مؤخراً، أن "مصير ما لا يقل عن (25000) مدني عراقي مغيب قسراً تم اختطافهم بعد عام 2014 من قبل القوات الحكومية وميليشيا الحشد في محافظات (الأنبار وبابل وصلاح الدين وديالى وكركوك ونينوى) ما يزال مجهولًا، وظهر عبر مقاطع مسجلة المئات من المغيبين وهم في قبضة فصائل ميليشيا الحشد، بعد عزلهم عن عوائلهم خلال اضطرارهم للنزوح من مناطقهم، بسبب القصف العشوائي العنيف والمتواصل من قبل القوات الحكومية وحلفائها.
عثر الشهر الماضي على 56 جثة مجهولة الهوية، مقيدة اليدين وعليها آثار تعذيب وإطلاق رصاص في الرأس والصدر شرقي العاصمة بغداد، إضافة إلى 41 جثة خلال شهر نيسان/أبريل الماضي
جثث على قارعة الطريق
وأكد سكان مناطق متفرقة في بغداد وبقية المحافظات ارتفاع أعداد الجثث الملقاة في الطرقات أو في مكبات النفايات والجداول والبساتين وفي الأماكن المهجورة، وعثر في الأسبوع الماضي على أكثر من عشر جثث في شارع فلسطين ببغداد، أظهرت آثار الحروق على أجسامهم والإطلاقات النارية في رؤوسهم أنهم قتلوا رمياً بالرصاص بعد تعذيبهم، وفقاً لما أفاد به سكان محليون لمندوب قسم حقوق الإنسان، كما عثر الشهر الماضي على 56 جثة مجهولة الهوية، مقيدة اليدين وعليها آثار تعذيب وإطلاق رصاص في الرأس والصدر شرقي العاصمة بغداد، إضافة إلى 41 جثة خلال شهر نيسان/أبريل الماضي، وفقًا لأرقام مسربة من مصدر في وزارة الداخلية. وأكد تقرير لقسم حقوق الإنسان في الهيئة، أنه رصد خلال الفترة الممتدة من الأول من تشرين الأول/أكتوبر 2019 وحتى العشرين من حزيران/يونيو 2021، دفن 1208 جثث قالت السلطات الحكومية أنها "مجهولة الهوية"، تولت "جمعية خيرية" محلية عملية دفن المئات منها على شكل دفعات؛ كما "قامت السلطات الصحية بدفن 491 جثة "مجهولة الهوية" خلال عام 2020، دفن أغلبها في مقبرة كربلاء القديمة، ومقبرة وادي السلام في مدينة النجف، وكانت الدفعة الأخيرة 50 جثة أودعت في مدينة النجف بقرار قضائي" وفق ما أورده التقرير.
تعتيم رسمي
ولا تعلن السلطات الحكومية في العادة عن أعداد الجثث المجهولة الهوية، لتلافي الإحراج الذي تسببه للنظام الحاكم في البلاد، وتحت الضغط الشعبي الواسع والمطالبات بالكشف عن الجهات التي تقوم بهذه الجرائم، دعا رئيس الجمهورية الحالي برهم صالح إلى "التحقيق بملابسات العثور على الجثث وإعلان الحقائق وضرورة حماية أرواح المواطنين" ، لكن السلطات الحكومية لم تعلن إجراء تحقيق حول الموضوع حتى الآن. وتتوجه أصابع الإتهام إلى أطراف حكومية وجماعات مسلحة تابعة للأحزاب الحاكمة بارتكاب هذه المجازر، حيث قامت هذه الجهات "بتصفية الآلاف من المدنيين والمعارضين العراقيين خلال السنوات الماضية" ، الأمر الذي "يفسر التعتيم الحكومي على ملف الجثث "مجهولة الهوية"، ويثير مخاوف جدية بشأن مصير المغيبين والمختطفين في البلاد."
آلاف الرجال والنساء والأطفال الفارين من منطقة الصقلاوية في محافظة الأنبار اختطفتهم هذه الميليشيات
وبينت إفادات أدلت بها عوائل مختطفين ومغيبين لمندوب قسم حقوق الإنسان في الهيئة، تورط الميليشيات الطائفية بدماء أبنائهم . وقال والد متظاهر معارض للحكومة اختطف منذ أكثر من عام ولا يعرف عنه شيئاً، أن ذوي المخطوفين يعرفون من يقوم بالاختطاف والقتل وأن الحكومة أيضاً تعرف القتلة، وهم منتمون إلى الأحزاب السياسية والميليشيات ، لكن السلطات لا تجرؤ على ذكر أسمائهم، مؤكداً أنه لا يصدق أن الدولة لن تجد القتلة لمدة عام كامل رغم ما لديهم الصلاحيات والموارد لكشف الجناة.
"العفو الدولية" تدين الميليشيات
وأكدت العديد من المنظمات الحقوقية والإنسانية في الداخل والخارج تكتم السلطات الحكومية على هذا الملف، خاصة فيما يتعلق بأعداد الجثث، ولم تصدر إحصائيات رسمية بها، لكن يمكن الإستدلال على حجمها من سجلات الحوادث في مراكز الشرطة، التي تشير إلى أن أنها كبيرة جدًا. ولا تتوقف تقارير هذه المنظمات عن تنبيه النظام الحاكم في العراق ، والإعلان إلى الرأي العام الدولي عن جرائم الإختطاف والتغييب القسري والتعذيب والقتل التي ترتكبها الميليشيات التابعة لإيران، والمدعومة من الأحزاب الحاكمة. وطالب آخر تقرير لمنظمة العفو الدولية، نشرته على موقعها الألكتروني في الثالث من الشهر الجاري، السلطات الحاكمة بالكشف عن مصير 643 رجلاً وصبياً اختفوا في مثل هذا اليوم منذ خمس سنوات. وقالت لين معلوف، نائبة مديرة المكتب الإقليمي للشرق الأوسط وشمال أفريقيا في المنظمة ، أن هؤلاء اختفوا على أيدي ميليشيات الحشد الشعبي خلال العمليات العسكرية في مدينة الفلوجة آنذاك ، مضيفة أن السلطات العراقية "لم تصرح حتى الآن علناً عن نتيجة التحقيق في حالات الاختفاء والانتهاكات التي ارتكبت أثناء عملية استعادة الفلوجة، تاركة الأسر في حالة مستديمة من عدم اليقين." وبحسب معلوف فإن آلاف الرجال والنساء والأطفال الفارين من منطقة الصقلاوية في محافظة الأنبار اختطفتهم هذه الميليشيات "حيث تعرف الشهود على المسلحين على أنهم أعضاء في هيئة الحشد الشعبي بناءً على الشعارات الموجودة على بزاتهم الرسمية وأعلامهم." مضيفة أن المسلحين اقتادوا "ما يقدر بنحو 1300 رجل وصبي، بعيداً عن عائلاتهم، وأودع ما لا يقل عن 643 رجلاً وصبياً منهم في شاحنة كبيرة، ولا يزال مصيرهم مجهولاً"، مطالبة السلطات العراقية "بوضع حد لهذا العذاب، والكشف عن مصير وأماكن وجود أولئك الذين اختفوا قسرياً على أيدي هيئة الحشد الشعبي، والإفصاح علناً عن نتائج تحقيقاتها الرسمية، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات."