رغم كل مظاهر العداء المعلن بين المحتل الأمريكي وإيران، يرى باحثون أن الولايات المتحدة سلمت إيران العراق على طبق من ذهب، وأفسحت لها المجال خلال ما يقرب من عقدين من الزمن، أن تكون لاعباً رئيسياً يتحكم باقتصاده وبقراره السياسي وبأمنه، بل أنها قدمت دعماً مالياً للميليشيات التابعة لها والعاملة في العراق منذ 2014 بحسب موقع "واشنطن فري بيكون"، والذي قدرته مصادر عراقية ب 200 مليون دولار شهرياً. ورغم العقوبات التي فرضتها عليها بسبب برنامجها النووي، استثنت الولايات المتحدة إيران من كثير من إجراءات العقوبات ومنها سماحها بتصدير الكهرباء للعراق، رغم استعداد دول مجاورة أخرى للقيام بهذه المهمة، وغضت النظر عن 3 مليارات دولار هي حجم التبادل التجاري بين العراق وإيران، مما جعله ثاني مستورد للبضائع الإيرانية.
وتوقعت تقارير صحفية أن انفراط هذا العقد بات وشيكاً، وقد يتبعه انهيار للمنظومة الإيرانية في العراق، معتبرة أن موافقة الكونجرس الأمريكي العام الماضي على إيقاف دعم الميليشيات، من خلال تعديل القانون الخاص بالدعم، الذي أصدرته إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما، قد يكون أول الغيث. وربطت هذه التقارير بين تطور الموقف الأمريكي وبين أوضاع إيران الداخلية، الإقتصادية والسياسية من جهة، وبين تصاعد المد الوطني في الداخل العراقي، الرافض لهذه الهيمنة، بما ينبئ بتغيير كبير في العراق، قد لا يكون بعيداً.
قائد فيلق القدس السابق قاسم سليماني، أسس 6 جيوش خارج إيران كان من بينها الحشد الشعبي العراقي
مفاتيح إيران
وتطرقت هذه المصادر إلى امتلاك إيران العديد من المفاتيح التي مكنتها خلال الحقبة الماضية من السيطرة على العراق اقتصادياً وعسكرياً وسياسياً، وقالت إن هذه المفاتيح توزعت على العديد من الأبواب، منها تحكمها بموارده وخاصة الماء والكهرباء، وسيطرتها على السوق العراقي، ومنها إنشاء منظومة من الأحزاب التابعة لها والتي نفذت أجندتها في البلاد، من خلال دخولها إلى البرلمان العراقي ومن ثم سيطرتها على مختلف الوزارات، ورسمت سياسات غريبة ودخيلة على المجتمع العراقي، وتحكمت بكل شيء حتى بمناهجه التعليمية، وذلك لضمان نشوء جيل جديد موالٍ لتوجهاتها. كما كان للجانب العقائدي المتمثل بتستر إيران خلف العباءة المذهبية دور في خداع الكثيرين، مما جعل بعضهم ينقاد انقياداً أعمى وراء سياساتها، لدرجة استعداده للقتال حتى ضد بلده تحت رايتها، ناهيك عن ضبط الوضع الأمني في الداخل العراقي باتجاه البوصلة الإيرانية. ويبقى المفتاح الأهم هو تشكيل ميليشيات تابعة لها، فبحسب تصريحات للواء غلام علي رشيد أحد قادة الحرس الإيراني، نقلتها وكالة مهر الإيرانية، فإن قائد فيلق القدس السابق قاسم سليماني، أسس 6 جيوش خارج إيران كان من بينها الحشد الشعبي العراقي، وصفها رشيد بأنها "جيوش شعبية وعقائدية خارج حدود إيران للردع والتصدي لأي عدو يريد محاربة النظام الإسلامي في إيران" حسب تعبيره. وفي تصريح سابق للعميد حسين همداني، أحد قادة الحرس الإيراني، والذي قتل في سوريا 2015، قال بعد تشكيل الحشد الشعبي بأيام: بعد أن أسست إيران "حرساً ثورياً في كل من سوريا ولبنان، فإن الابن الثالث للثورة الإسلامية الإيرانية سيولد في العراق"، في إشارة منه إلى الحشد.
لكن دوام الحال من الحال بحسب تعبير ناشطين عراقيين، أكدوا إن "الأوضاع في العراق لم تعد كما كانت قبل سنوات، وإن "المفاتيح" التي تمتلكها إيران لأبواب المداخل العراقية، قد تكون صدئت بسبب انكشاف أساليب المكر الإيراني، التي ربما انطلت على البعض خلال الحقبة السابقة من عمر الاحتلال".
العراقيون ضاق ذرعهم
وبحسب المحلل السياسي علي البيدر، فإن الفصائل الموالية لإيران "تعمل بشكل مكثف على التواجد في قطاعات مختلفة كالجوانب الدبلوماسية والثقافية والرياضية"، في محاولة منها لتغيير نظرة المجتمع لها، ولإضفاء صورة مغايرة للأدوار الحقيقية التي تضطلع بها، لكن الناشط عبد الكريم محمد قال إن العراقيين "ضاقوا ذرعاً بالهيمنة الإيرانية المباشرة أو عن طريق وكلائها من الأحزاب التابعة لها، ولم تعد تنطلي عليهم محاولات التضليل التي تقوم بها هذه الأحزاب،" وجاء حديث محمد خلال تجمعات لناشطين عقدت للاستعداد لجولة جديدة من التظاهرات في مرحلة ما بعد الانتخابات، أكدوا خلالها بأن "الهيمنة الإيرانية على بعض الدول في المنطقة وخاصة في العراق لن تدوم طويلاً، بعد أن أثبتت الأحزاب التابعة لها أنها تقف بالضد من تطلعات العراقيين في الحرية والكرامة، حيث ضحى العراقيون بالآلاف من أبنائهم بين قتيل وجريح ومختطف، وأن هذه الأحزاب لا تمتلك أي مبرر لبقائها وتحكمها بمصائر الناس." وأضاف محمد "إن المحك الرئيس لشرعية الأحزاب هو موقفها من مطالب الشعب المتمثلة بالشعارات التي يرفعها الثوار من جهة، وبموقفها من أي تدخل أجنبي في مقدرات الشعب العراقي من جهة ثانية، وقد ثبت للجميع حتى للمغرر بهم، أن هؤلاء ليسوا إلا أدوات لتنفيذ سياسات الهيمنة الإيرانية، ولا مكان لهم ولا لإيران بعد الآن على أرضنا".
رصاصة الرحمة
من ناحية أخرى يرى باحثون أن نهاية الوجود الإيراني في العراق مرتبط بنهاية النظام الإيراني، الذي يعاني من أزمات داخلية عديدة، زادتها تعقيداً تدخلاته في العديد من دول المنطقة، والتي واجهت بدورها رفضاً داخلياً واسعاً، تمثل بتظاهرات متعددة خلال السنوات الماضية، إحتجاجاً على قمع الحريات وعلى أوضاع إقتصادية متردية، يرى المتظاهرون الإيرانيون أنها جاءت نتيجة هذه التدخلات، ولعل من أهم هذه الاحتجاجات ما شهده إقليم الأحواز العربي، الذي تحتله إيران منذ عام 1925.
وبحسب هؤلاء الباحثين، فإن الانتخابات العراقية الأخيرة، لم تسعف إيران بشيء، بل على العكس من ذلك، حيث أن بقاء الأحزاب الموالية لها في السلطة، سيلهب الشارع الملتهب أصلاً، وقد يمثل رصاصة الرحمة لها. وبهذا الصدد تقول الباحثة العراقية مارسين الشمري، إن "واحدةً من الأمور التي ثير قلق إيران في العراق حالياً، هي الشعور العام بالاستياء" من النفوذ الإيراني، مؤكدة أن إيران "لم تتوقع ذلك، وهذا أمر جديد عليها التعامل معه".