بدأت ظاهرة نفوق الأسماك تتفاقم منذ سنوات في العراق مسببة كوارث بيئية واقتصادية لم يألفها العراقيون من قبل. وانخفض إنتاج الأسماك إلى الحد الذي جعله مستورداً لها بعد أن كان إنتاجه منها يصل إلى مليون طن سنوياً، محققاً خزيناً وطنياً يكفي لأربع سنوات، بحسب تقديرات متخصصين بإنتاج الثروة السمكية. وتسببت هذه الظاهرة لسنوات متتالية بانخفاض الإنتاج لأقل من النصف، مما رفع أسعارها في السوق المحلية لأكثر من الضعف. كما مني مربو الأسماك بخسائر فادحة لفقدانهم آلاف الأطنان منذ ظهور الأزمة بشكل لافت عام 2018 ، دون معالجات حقيقية من قبل الجهات المعنية. وقال مربي الأسماك عدنان خلف إن "ظاهرة نفوق الاسماك على مدار السنوات الأربع تسببت بمشاكل مالية للكثير من مربي الأسماك، بسبب الديون التي تراكمت عليهم بعد شراء الأعلاف والعلاجات والمواد الأخرى اللازمة لتربية الاسماك"، مؤكداً أن الظاهرة "تسببت أيضاً بتسريح مئات العمال بعد أن تعرض أصحاب البحيرات إلى خسائر كبيرة، تعذر عليهم بعدها توفير أجور العمال".
ومنذ عام 2018 يتحدث المسؤولون الحكوميون عن صرف تعويضات وإيجاد حلول لهذه المشكلة، لكن مربي الأسماك يقولون إنه وباستثناء تشكيل اللجان، لم يحدث شيء على أرض الواقع. وقدر الشيخ جبار المعموري، الذي يمتلك أحواضاً لتربية الأسماك منذ 1983 ، خسائره بمليار دينار عراقي.
وفضلاً عن الخسائر الاقتصادية على المستويين الفردي والوطني، برزت مشكلة التلوث البيئي وتداعياتها السلبية على صحة المواطنين، لامتلاء الأنهر والجداول بكميات كبيرة من الأسماك النافقة، مما يجعل مسألة وضع حد لهذه الكارثة، من الأولويات التي يجب على الجهات المسؤولة أخذها بنظر الاعتبار.
فوق الأسماك خلال شهري محرم وصفر من كل عام في مبازل وأنهر كربلاء "يحدث بسبب ضخ المياه الثقيلة إلى هذه المبازل، لأن أعداد الزائرين تفوق الطاقة الاستيعابية لخدمات المجاري في المحافظة
ماذا يحدث في كربلاء؟
ويبدو أن هناك أكثر من سبب لهذه الظاهرة، أو أن الأسباب تختلف من محافظة لأخرى، لكنها تعطي النتائج ذاتها، ففي الأهوار جنوب البلاد تنفق الأسماك بسبب ارتفاع الملوحة في المياه نتيجة حجب إيران للأنهار والجداول التي تغذيها، وفي محافظة بابل برزت أسباب أخرى عزاها بعض المتخصصين لانتشار فايروس يصيب الأسماك فيما يعتقد آخرون أن السبب يعود لتسمم المياه بمادة "الكلوريدين"، لكن ما يحدث في محافظة كربلاء، ويتكرر كل عام بنفس التوقيت أثار استغراب المواطنين، معتبرين الظاهرة "إبادة موسمية للأسماك"، حيث قال الناشط في مجال البيئة الدكتور محمد الطائي في حديث صحفي، إن "هذا التلوث يحدث كل عام في المدينة، ولم تضع الحكومة المحلية ولا وزارة البيئة أي حلول، ولم يقتصر الأمر على نفوق الاسماك بل تعداه إلى تلوث الأنهر والمياه، ألتي تصل إلى المواطنين". من جهتها أكدت الدكتورة أفكار عباس مسؤولة وحدة الأسماك في مستشفى الطب البيطري في المدينة، إن المستشفى "وقف على أسباب الظاهرة وأرسل العينات إلى بغداد ونحن في انتظار النتيجة"، لكنها أردفت أن نفوق الأسماك خلال شهري محرم وصفر من كل عام في مبازل وأنهر كربلاء "يحدث بسبب ضخ المياه الثقيلة إلى هذه المبازل، لأن أعداد الزائرين تفوق الطاقة الاستيعابية لخدمات المجاري في المحافظة، وهذه الحالة تتكرر في كل عام”.
ونشر ناشطون على مواقع التواصل مطلع تشرين الأول/أكتوبر الجاري مقاطع تصور أطناناً من النفايات في أزقة وشوارع المدينة، وكذلك الأسماك النافقة في نهري الرشدية والهندية داخل كربلاء وفي بحيرة الرزازة غربي المحافظة، وغطّت أكوام القمامة والسمك الميت أسطح الأنهر في المدينة.
فايروس متحور
وللسنة الرابعة على التوالي تعرضت محافظة بابل لهذه الظاهرة أيضاً، ويرى متخصصون أن هلاك مئات الأطنان من الأسماك في المحافظة يعود لمرض تعفن الغلاصم، فيما يرى آخرون أن السبب يعود لفايروس (كوي هيربس). وقال المتخصص في مجال البيئة هيكل الجبوري لصحيفة أجرت تحقيقاً حول الموضوع، أن "ظاهرة نفوق الاسماك بهذا الشكل تهدد بكارثة بيئية وصحية، خاصة وأن هذا الفايروس الذي يصيب الاسماك، من الممكن أن يطور نفسه، ويتحول إلى فايروس يصيب الإنسان كما حدث لفايروس كورونا"، مطالباً وزارتي الصحة والزراعة ب"التحرك السريع لإيجاد اللقاح اللازم لهذا الفايروس". وأضاف إنه "حتى الأسماك التي لم تظهر عليها علامات الإصابة ويتناولها المستهلك، من الممكن أن تكون حاملة للفايروس". ونبه الجبوري إلى أن "الكارثة البيئية الاخرى تتمثل برمي الأسماك النافقة في النهر من قبل مئات مربي الأسماك غير المجازين، وبالتالي ستتعرض مياه النهر إلى تلوث خطير جداً".
وتأثر إنتاج الثروة السمكية في بابل بشكل كبير بعد أن كانت تحتل مراتب متقدمة في مستويات الإنتاج على الصعيد الوطني. واعتبر رئيس الجمعية العراقية لمنتجي الأسماك إياد الطالبي، إن "الأمر بات يهدد الأمن الغذائي لقطاع الأسماك بعد أن تكرر للمرة الرابعة، دون أن تجد الجهات المعنية الحلول اللازمة لهذه الكارثة"، مؤكداً أن المتضرر الأول منها هو المواطن، إضافة للخسائر الاقتصادية التي تترتب على الاستيراد، الذي ارتفع "إلى خمسة أضعاف ما كان عليه في السابق".
قطاعات مستفيدة
واستنكر مواطنون نفي بعض المسؤولين ازاء تزايد هذه الظاهرة لمستوى "كارثة بيئية"، رغم كل الأضرار التي تسببت بها. وكان مدير زراعة بابل المهندس صلاح مهدي قد ذكر لأحد المواقع الإلكترونية، إن "نفوق مئات الأطنان من الأسماك هو عدد بسيط، وإنه أمر طبيعي"، ملقياً باللائمة على إنشاء أعداد كبيرة من أحواض السمك غير المرخصة، مما تسبب بنقص كمية الأكسجين في الماء.، لكن خبراء في مراكز بحوث عراقية عزوا نقص الاوكسجين في الماء إلى تلويثه بمادة "الكلوريدين" السامة، التي تعمل على سحب الاوكسجين المذاب فيه، متهمين "جهات مجهولة" لها مصلحة بانقراض الثروة السمكية، بالقيام بمثل هذه الأعمال.
واعتبر المواطن أحمد مجيد، وهو أحد مربي الأسماك، أن ظاهرة نفوق الأسماك من الظواهر المدمرة للثروة السمكية، معبراً عن قناعته بأن "هناك قطاعات مستفيدة منها، وخاصة مع تكرار حالات النفوق في مقابل غياب أية وسيلة ناجعة أو إجراء حاسم يضمن عدم تكرار هذه الابادة". وتساءل مجيد عن دور الجهات الحكومية المختصة، في مواجهة هذه الكوارث التي تهدد بإبادة الثروة السمكية.
وقال مربٍ آخر إن ظاهرة نفوق الأسماك تحدث "بفعل فاعل وليس جراء الإصابة بفايروس تعفن الغلاصم كما تدعي بعض الجهات الرسمية كوزارة الزراعة"، متهماً هذه الجهات بالتقصير والإهمال. وأكد هذا المربي أن نفوق السلاحف والطيور وبقية الأحياء المائية إلى جانب الأسماك دليل على تسميم ماء النهر بشكل متعمد لصالح جهات مستفيدة.
يذكر أن العراق يقف في مقدمة مستوردي الأسماك من إيران، التي صدرت 11.5 ألف طن من الأسماك للعراق وعدد من الدول الأخرى العام الماضي 2020، خلال فترة لم تتجاوز 8 أشهر، وفق تصريحات نقلها الإعلام الإيراني، عن مدير عام منظمة الثروة السمكية في خوزستان، "فتح الله أبو علي".