منذ أن حصلت الميليشيات على الضوء الأخضر لتنظيم نفسها تحت مظلة الحشد الشعبي، ومظلات أخرى لا تقل عنها جهلاً بالسياقات العسكرية والأمنية الصحيحة، بقيادة متحزبين بلا خبرات عسكرية، إنتشرت في الأحياء السكنية مخازن للسلاح والعتاد والصواريخ والمواد الخطرة، مهددة بكارثة إنسانية كبرى، فيما لو حصل إهمال بسيط من أحد عناصرها، أو جرى استهدافها من أي جهة أخرى، وقد حدثت بالفعل مثل هذه الحوادث وتسببت بخسائر كبيرة في الأرواح والممتلكات.
ولا يقتصر توزيع هذه المخازن على محافظة أو منطقة معينة، بل يتبع توزيعها للثقل السياسي لهذا الحزب أو ذاك وهذه الميليشيا أو تلك، وبذلك يتوزع الرعب على محافظات البلاد وأحيائها، وتستوي في ذلك محافظات الأنبار والموصل وصلاح الدين التي أصبحت معسكرات للميليشيات في أعقاب ما يسمى بالحرب على تنظيم الدولة "داعش"، مع مدينة "الصدر" شرقي بغداد، التي شهدت العام الماضي تفجيراً أودى بحياة 35 شخصاً وإصابة ستين آخرين، وفقاً لمصادر أمنية وطبية.
وتزايدت انفجارات مخازن العتاد خلال السنوات الماضية بشكل لافت، ومن أمثلتها ما حدث في آب 2019 عندما أصيب 13 مدنياً بجروح جراء انفجار مخزن عتاد تابع للحشد الشعبي في منطقة الدورة السكنية جنوبي بغداد، كما شهد عام 2016 حوادث عديدة من بينها انفجار مستودع للصواريخ والأسلحة تابع للحشد الشعبي أيضاً، في منطقة العبيدي شرقي بغداد، وتسبب بانطلاق عدد من صواريخ الكاتيوشا، التي أوقعت قتلى وجرحى في صفوف المدنيين، إلى جانب إلحاق أضرار كبيرة بمنازل وممتلكات السكان، والعديد من الحوادث المشابهة الأخرى.
سلاح مليشيات حزب الله خصوصاً، بما يتضمنه من صواريخ إيرانية بعيدة المدى، جعل مدينة جرف الصخر المخزَّن فيها بؤرة موبوءة
أوامر على الورق
في أعقاب حادثة انفجار مستودع الأسلحة التابع للحشد الشعبي في تموز 2016 طالب "علي التميمي" محافظ بغداد الحكومة بمنع فصائل الحشد الشعبي من تخزين الأسلحة والعتاد داخل المدن، كما أكد "اسكندر وتوت" عضو لجنة الأمن والدفاع في مجلس النواب، إن "إفراغ العاصمة بغداد ومراكز المدن من مستودعات الأسلحة والأعتدة إجراء واجب التنفيذ على الجميع، بما في ذلك فصائل الحشد الشعبي"، مضيفاً إن "تواجد مستودعات الأسلحة داخل المناطق السكنية أمر غير مقبول، فهي تحتاج ظروف تخزين خاصة، لايمكن توفرها داخل المدن"، وبالفعل فقد أصدر رئيس الوزراء حيدر العبادي أوامره لقادة الجيش بإخلاء العاصمة بغداد ومراكز المدن في المحافظات من مستودعات ومخازن الأسلحة ومعامل تصنيعها وإبعادها خارج المدن، لكن أوامر القائد العام للقوات المسلحة لا تسري على الكثيرين، إذ مازالت هذه المستودعات منتشرة في كل مكان، خلافاً لجميع القوانين والأعراف التي لا تسمح بتخزين الأسلحة والعتاد والذخائر داخل المناطق السكنية.
مواد خطرة
وتعليقاً على هذه الظاهرة قال المحلل الاستراتيجي رعد هاشم "إن دعوات إفراغ المدن من أسلحة المليشيات الموالية لإيران واقعية، وفقاً لحوادث كثيرة وقعت في الماضي من تماسّ وانفجارات خصوصاً في العاصمة بغداد، وعلى الحكومة تنفيذ وعودها بحصر السلاح بيد الدولة، وإن لم تفعل فستنتشر الجماعات المسلحة وستخترق جميع المؤسسات الأمنية"، مضيفاً في حديث صحفي إن "هذه الدعوات كشفت للعراقيين وللمجتمع الدولي وحتى للحكومات السابقة والحالية مدى خطورة تخزين أسلحة وصواريخ داخل المدن، خصوصاً لو كان حالها كحال سلاح المليشيات في البلاد التي تخزّن دون علم الجيش العراقي، وبمعزل عن عتاده، وفي ظل غياب التنسيق مع القوات العسكرية الرسمية".
وأكد هاشم إن "سلاح مليشيات حزب الله خصوصاً، بما يتضمنه من صواريخ إيرانية بعيدة المدى، جعل مدينة جرف الصخر المخزَّن فيها بؤرة موبوءة"، مشيراً إلى أن "مدينة آمرلي التابعة لمحافظة صلاح الدين شمال شرق بغداد أصبحت مخزناً لحفظ الأسلحة الإيرانية، ومستودعات أخرى في مناطق سهل نينوى قرب مركز مدينة الموصل".
من جهته قال الخبير الأمني علي جواد إن الميليشيات "تعتمد إبقاء مواقع المستودعات في أماكن قريبة من السكان، لأنها تحاول التحصن بالمناطق المدنية، واستخدام المدنيين دروعاً بشرية، لسهولة نقلها إلى مناطق الإطلاق، لكون تخزينها في مناطق بعيدة يصعّب نقلها لمسافات طويلة"
ولا تقتصر فوضى السلاح والعتاد المنتشرة داخل المدن على العتاد التقليدي، بل تتعداه لمختلف المواد شديدة الخطورة على السكان، فقد ضبطت هيئة المنافذ الحدودية مؤخراً مواد كيميائية "خطرة" في ميناء بمحافظة البصرة. وجاء في بيان للهيئة أنها تمنكت "من ضبط حاوية مواد كيميائية خطرة مخالفة للضوابط والتعليمات النافذة". ولم يكشف بيان الهيئة طبيعة هذه المواد أو الجهة التي استوردتها ولا مصدرها، لكنه اكتفى بالقول إن إجراءات قانونية قد اتخذت بحق المخالفين.
كابوس إنفجار بيروت
وعززت عملية ضبط هذه المواد شديدة الخطورة في أحد موانئ البصرة، مخاوف من كارثة قد تكون وشيكة، وقد تتسبب في وقوع مأساة مشابهة لما حصل في بيروت، في ظل تجاهل الميليشيات لحياة المدنيين باستخدامها الموانئ العراقية في نقل هذه المواد، ومن ثم تسريبها إلى المناطق السكنية كمنطلق لأنشطتها المسلحة ومخازن لأسلحتها، وفي ظل عدم اتخاذ الحكومات لإجراءات فعلية تمنع هذه الأنشطة.
ويعيش العراقيون رعباً حقيقياً منذ انفجار مرفأ العاصمة اللبنانية صيف 2020، الذي "تسبب بـ 300 وفاة و6,500 إصابة، وأدى إلى تشريد حوالي 300,000 شخص، كما لحقت أضرار شديدة في المرفأ والمدينة" بحسب ما نشره موقع الأمم المتحدة. واتهمت بالتسبب بالانفجار ميليشيا حزب الله اللبنان، وثيق الصلة بالميليشيات العراقية، حيث تتبادل هذه الأطراف التنسيق والخطط فيما بينها، بإشراف وتوجيه الحرس الثوري الإيراني. وبالإشارة لارتدادات هذا الإنفجار على دول المنطقة ومنها العراق، قال الإعلامي "أسامة آغي" إن "الإنفجار الكبير خلط الأوراق في لبنان والمنطقة، وفتح الباب على صراعات جديدة، ستأخذ دورها في تغيير خارطة المنطقة سياسياً وأمنياً واقتصادياً". ولا يستبعد محللون سياسيون من أن تتخذ إيران من الموانئ العراقية بديلاً لميناء بيروت، الذي وصف بأنه مستودع أسلحة تابع لـ"حزب الله". واستناداً لتقارير دولية كثيرة، إعتبر "آغي" أن مرفأ بيروت كان "يعمل كمنصة تهريب للمخدرات التي يصنعها "حزب الله" ويرسلها إلى العالم، من أجل تمويل نشاطه الأمني والعسكري في لبنان وخارجه"، ويمثل بوابة الحزب "لتوريد الأسلحة والذخائر المطلوبة للإستخدام في حروب المنطقة، بما يخدم المشروع الإيراني".