يمر العراق، أكبر منتج للنفط في "أوبك" بعد السعودية، بأسوأ مرحلة منذ ما يقرب من عشرين عاماً، فيما يتعلق بتوفير احتياجاته من الطاقة لمختلف الأغراض. وتبرز أزمة الكهرباء في مقدمة المعضلات الناتجة عن الفشل في توفير هذه الإحتياجات، بسبب اعتماد البلاد على استيراد الغاز من مصدر واحد وهو إيران، بدل تنويع المصادر واستغلال المنتج الوطني. وبعد فشل وزراء الحكومات السابقة اعترف وزير الكهرباء الحالي وكالة "عادل كريم" في حديث تلفزيزني، أنه "ينبغي عدم الإعتماد على مصدر واحد في قضية الغاز"، في إشارة لاستيراد الغاز من إيران، التي تتحكم في كماياته تبعاً لغايات سياسية لا تبعاً للإتفاق المبرم بين البلدين، بحسب محللين سياسيين. وعن كمية ما يصل إلى البلاد من الغاز الإيراني قال وكيل الوزير، إن "إيران تزود العراق حالياً بـ8 ملايين متر مكعب قياسي فقط من الغاز" خلافاً للعقد المبرم الذي تحدد بنحو 45 مليون متر مكعب. وبخصوص الكهرباء قال إن العراق "لم يتسلم ميغاواط واحد من إيران خلال الصيف الماضي، وحالياً يتسلم 500 ميغاواط فقط ".
وأكد كريم إن "الغاز الإيراني وصل إلى مستويات متدنية جداً، وهناك ما يقارب 6 آلاف ميغاواط فقدت بسبب عدم وجود الوقود".
مباحثات مع قطر
وكان وزير الكهرباء قد زار العاصمة القطرية الدوحة الشهر الماضي، للتباحث في إمكانية الحصول على الغاز القطري، لتعويض نقص الغاز الإيراني. وقالت وزارة الكهرباء في بيان لها، إن الوزير التقى خلال الزيارة وزير البترول والطاقة القطري "سعد شريدة الكعبي"، وأجرى معه مباحثات تتعلق بإمكانية "توريد الغاز للعراق لمعالجة وسد النقص الحاصل من الغاز، لإدامة زخم عمل محطات الإنتاج". وبحث الوزيران خلال اللقاء "كافة القضايا اللوجستية اللازمة لتوريد الغاز من خلال موانئ البلدين"، وأن الجانب القطري "أبدى استعداده لذلك، بعد شرح مفصل قدمه وزير الكهرباء عن واقع عمل منظومة الطاقة الكهربائية في العراق". وأكد البيان أن "هذا الأمر يستلزم إجراءات سريعة وتعضيد الجهود من قبل وزارات النفط والنقل والمالية والجميع مع الكهرباء، لإنجاز هذا المشروع الحيوي والمهم".
وأدلى الوزير بتصريحات صحفية عقب عودته إلى البلاد، أكد فيها أن عملية استيراد الغاز القطري ستكتمل خلال سنة أو 15 شهراً إن توفرت الإمكانيات، وأن المباحثات مستمرة مع قطر بهذا الخصوص، مضيفاً إن إنتاج الطاقة ، سيصل إلى أكثر من 22 ألف ميغاواط إذا توفر الوقود ولكن لعدم توفره وشح الغاز الإيراني، أصبح أقل من ذلك بكثير.
في عام 2020 أحرق العراق 17.374 مليون متر مكعب من الغاز المصاحب لاستخراج النفط من حقوله، لعدم امتلاكه المنشآت الخاصة بتحويله إلى وقود
خطوة متأخرة
ويرى خبراء الإقتصاد أن تنويع مصادر الغاز خطوة ضرورية، وكان من المفترض أن تتم قبل هذا الوقت بكثير. وفي هذا الشأن يقول الخبير الإقتصادي "علاء الفهد"، إن "العراق يحاول توفير بدائل عن الغاز أو الكهرباء من إيران، وهذا ما يحدث الآن من خلال الربط الكهربائي مع الخليج والسعودية كمرحلة أولى، ومد أنبوب للغاز مع قطر"، لكن هذا الإجراء جاء متأخراً بسبب انعدام الإرادة السياسية في الحد من الإعتماد على إيران، مضيفاً أن هناك جهات على علاقة بإيران أبقت العراق مرتبطاً بها، وحالت دون التفكير بجهات بديلة، أو استثمار الغاز العراقي.
من ناحية أخرى عبر الخبير المالي والإقتصادي "باسم جميل أنطوان"، عن اعتقاده بأن "عملية نقل الغاز بحاجة لإمكانات هائلة"، وأن "من غير الممكن نقل الغاز القطري بالسيارات أو الناقلات العملاقة، لأنه سيكون مكلفاً، وبالتالي فإن الحل الأمثل هو مد خط أنابيب"، مضيفاً أن "هذا الإجراء يحتاج لوقت ولجهد ولأموال طائلة، لأن طولها ربما يتجاوز 2000 كيلومتر".
وأكد أنطوان أن "العراق تحول إلى كبش فداء في اتفاقية استيراد الغاز من إيران، لأن طهران تستغل هذا الملف للضغط سياسياً واقتصادياً، من خلال قطعه في فترات الذروة في الصيف والشتاء، مما يؤدي إلى شلل في كثير من محطات إنتاج الطاقة"، مضيفاً إن "الصفقة مع قطر ودول الخليج ستكون بديلاً عن هذا كله، وقد تؤدي إلى سد حاجة العراق من الطاقة بمقدار ستة إلى سبعة آلاف ميغا واط".
الإستثمار الوطني أفضل الحلول
وترى الخبيرة الإقتصادية "سلام سميسم"، أن هذه الخطوة "قد تعمل على حل الأزمة بشكل وقتي، لكن إذا ما كان هناك تفكير جدي لإنهاء الأزمة الكهربائية في البلد، فلا بد من إعادة هيكلة إنتاج الكهرباء أصلاً في العراق"، موضحة أن "ذلك يجري بعدم اقتصار محطات توليد الكهرباء على استخدام الغاز حصراً، واستبعاد الأشكال الأخرى من طرق توليد الكهرباء، وهو ما يعيق إنتاج وتطوير الكهرباء في العراق".
وأجمع العديد من المختصين في مجال الطاقة والإقتصاد، أن أفضل الحلول هو الإعتماد على الغاز العراقي. وأفادت تقارير البنك الدولي أن العراق يأتي بالمرتبة الثانية بعد روسيا في حرق الغاز تليه إيران، ففي عام 2020 أحرق العراق 17.374 مليون متر مكعب من الغاز المصاحب لاستخراج النفط من حقوله، لعدم امتلاكه المنشآت الخاصة بتحويله إلى وقود، وبدلاً من إنفاق الأموال على توفير هذه المنشآت لجأ لاستيراد الغاز الإيراني لتوليد الكهرباء، لكن الأخيرة على ما يبدو تفضل حرقه بدل تزويد العراق به، رغم العقود المبرمة بينهما. ويخسر العراق نتيجة حرق الغاز حوالي 2.5 مليار دولار سنوياً، وهو مبلغ قدر البنك الدولي، أنه يكفي لسد النقص من الغاز لتوليد الكهرباء.
وتبلغ الحاجة الفعلية للبلاد من الطاقة الكهربائية، حوالي 24 ألف ميغاواط، ترتفع إلى 30 ألفاً في الصيف، بينما يبلغ إنتاجه منها 16 ألف ميغاواط.
ويبقى الإتفاق مع قطر مهماً للخروج من عجلة الإستغلال والضغوطات الإيرانية المستمرة، لكته يحتاج أولاً إلى موافقة مجلس الوزراء، مما يزيد من احتمالات عرقلته من قبل بعض الأطراف التي ترتبط بإيران.