إعتاد ذلك المعمم على نوعية من الجمهور، تبدي إعجابها بالصراخ تحت منبره مهما كان نوع الأباطيل التي يسوقها في خطبته، لذلك ارتبك ولَمْ يَحِرْ جَوَاباً عندما سألته الصحفية الأجنبية، إن كان إبنه وابناء المسؤولين وزعماء المليشيات، يقاتلون مع أقرانهم في وحدات الحشد الشعبي وغيره من المليشيات. والحقيقة التي فضحها أبناء هؤلاء بأنفسهم قبل أن يفضحها غيرهم، هي أن هناك جيلاً جديداً من الفاسدين، ينمو ويتكاثر خلف الكواليس برعاية آبائهم، مستظلين بأوهام أقنعت بها السلطةُ الدينية أبناءَ الطبقة الفقيرة، حول الدفاع عن عقيدتهم.
وفي مسلسل الفضائح ذات الصلة، إنتشرت هذا الشهر والشهر الماضي صور ومقاطع مصورة على مواقع التواصل الإجتماعي، لمجموعة من أبناء قادة المليشيات يعيشون حياة البذخ والإسراف، متنعمين بالأموال التي يجنيها آباؤهم من الفساد، في نفس الوقت الذي يستعدون فيه لتولي المواقع القيادية بالوراثة، بينما يُزج أبناء الطبقة المعدمة بالحروب أينما اقتضت مصلحة "الفقيه"، الذي يصدر أوامره لهم من خارج الحدود.
وتضمنت الفضيحة الأخيرة صوراً لمجموعة من الشباب وهم يركبون سيارات فارهة لا يقل سعر الواحدة عن 130 ألف دولار أميركي، وهم جميعاً تحت سن 25، قال الناشطون الذين نشروها أنها لأبناء وأخوة وأقارب "شبل الزيدي" و"أحمد محسن فرج الحميداوي" و"أحمد المكصوصي" و"رعد المالكي" و"حسين فالح" المعروف بأبو زينب اللامي، وهم من قادة المليشيات المنضوية وغير المنضوية، تحت عباءة الحشد الشعبي.
فساد بقوة السلاح
وخلال السنوات السابقة، إهتم العديد من مراكز البحوث والدراسات باستقصاء منابع الفساد، ألذي أنتج العديد من هذه الظواهر، ومنها ظاهرة أبناء وأقارب زعماء المليشيات. وفي بحث نشره "مركز الرافدين للدراسات"، عن مصادر تمويل هذه المليشيات قال الباحث حسين السبعاوي، إن "العراق فيه فساد بقوة السلاح، لا يخلو من الإرهاب والقتل"، موضحاً أن من المعلوم لكل متابع، "أن المليشيات الطائفية تسيطر على موارد الدولة الإقتصادية من الحدود والموانئ والمطارات، وحتى على الموارد الطبيعية كالنفط والكبريت، ومعلوم كيف تهرب هذه الموارد إلى خارج القطر وبأسعار أدنى من الأسعار العالمية". وأكد السبعاوي في بحثه، أن هذه المليشيات تقوم أيضاً بابتزاز "التجار وميسوري الحال وحتى السياسيين بدفع الإتاوات لها، وقد أصبح قادة المليشيات متنفذين حتى على الدولة، وصاروا الحاكم الفعلي على الأرض، بحيث لا تجرؤ الدولة على محاسبة أصغر عنصر فيها".
بات بعض قادة المليشيات من بين أغنى رجال العراق، مشهورين بشرائهم المطاعم والأندية الليلية الفاخرة والمزارع الوافرة على ضفاف نهر دجلة
وتطرق الباحث إلى أسوأ أنواع الفساد الذي تمارسه المليشيات، وهو "اختطاف الأبرياء أو اعتقالهم بتهمة الإرهاب، ومن ثم مساومة ذويه على دفع مبالغ طائلة لإطلاق سراحه، وأحياناً تأخذ المال وتعمل على تصفية المخطوف".
الطبقة السياسية صنعتهم
وفي وقت سابق نشرت صحيفة "نيويورك تايمز" مقالاً عن هذه الظاهرة، جاء فيه أن هذه المليشيات "مثل كتائب حزب الله ليسوا فقط عملاء لإيران بالوكالة، بل هم أيضاً الوجه الجديد لحكم اللصوص البيروقراطي، إكتسبوا ثرواتهم على حساب شباب العراق الذين ازدادت أعدادهم فقراً وبطالة". وقال كاتب المقال "روبرت إف وورث"، أنه وفي نفس الوقت "بات بعض قادة المليشيات من بين أغنى رجال العراق، مشهورين بشرائهم المطاعم والأندية الليلية الفاخرة والمزارع الوافرة على ضفاف نهر دجلة"، مضيفاً أن "من دعم هذه المليشيات ومكنها هي الطبقة السياسية العراقية الجديدة، التي لا تسعى إلا إلى الثراء". ووصف الكاتب هذه المليشيات بالعصابات، ألتي مارست لسنوات عديدة، ألإحتيال على المستويات كافة، ومن ضمنها السيطرة المستمرة على نقاط التفتيش، والإحتيال المصرفي، والتحايل على نظام الرواتب الحكومي.
وأعاد الكاتب إلى الأذهان مرحلة تولي عادل عبد المهدي رئاسة الوزراء عام 2018، حيث "تضمنت حكومته أشخاصاً لهم ارتباطات بأحد أسوأ شبكات الكسب غير المشروع، ألتي ابتلت البلاد بها"، بعكس ما أشيع عن تصديه لهم. وشهدت تلك الحكومة أحداثاً دامية، راح ضحيتها المئات من المتظاهرين ضد الفساد، الذين أجبروه على تقديم استقالته.
مشكلة إبني أنه إبني !
وفي العادة لا يظهر أبناء المسؤولين وقادة المليشيات في الواجهة، لكن غرورهم وحب التفاخر بالمال والسطوة مع حداثة عهدهم بها وصغر سنهم، يوقعهم أحياناً في مطبات ومآزق لا يمكن لآبائهم تغطيتها. ولا زال العراقيون يتذكرون ممارسات أحمد إبن رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي، الذي قاد لأكثر من مرة مجاميع مسلحة "لإلقاء القبض" على مقاولين أو ميسورين، واضطر والده لتبرير أعماله في مقابلة تلفزيونية عام 2014 بالقول، إن "مشكلة إبني أحمد أنه إبني!"، ألأمر الذي فسره مراقبون في حينه، أن أبناء المسؤولين أصبحوا هم أيضاً ضمن قائمة الخطوط الحمراء، ألذين يحق لهم ما لا يحق لغيرهم.
وعلى طريقة إبن المالكي، وفي نفس العام (9آذار/مايس)، إرتكب إبن هادي العامري فعلاً مشابهاً خلال تولي والده حقيبة وزارة النقل، عندما منع طائرة ركاب لبنانية من الهبوط في مطار بغداد. وكان "مهدي" قد اتصل من بيروت بمطار بغداد، طالباً إجبار الطائرة على العودة إلى بيروت لتقله، بعد أن تأخر هو وصديقه عن اللحاق بها، وقد تم له ذلك. وحاول كل من هادي العامري ورئيس وزرائه نوري المالكي لملمة الموضوع، بالإعلان عن تقديم "مهدي" للقضاء وتعويض المسافرين، لكن ذلك لم يحدث رغم مرور ثماني سنوات على الحادثة. ولا يتوقع المتابعون للوضع العراقي، أن تتحقق العدالة مع أمثال هؤلاء، ما دام القاضي والمتهم ينتمون للطبقة الفاسدة ذاتها.