قد يعتقد كثيرون أن أهداف الاحتلال الأطلسي للعراق كانت سياسية واقتصادية فحسب، دون الانتباه للعامل الاجتماعي. وقد يظن هؤلاء أيضاً، أن عوامل التفكك والانهيار التي حلت بالاسرة العراقية، ما هي الا نتيجة من نتائج الاحتلال. لكن أبحاثاً ودراسات كثيرة نشرت خلال العشرين سنة الماضية، بينت أن تحطيم الاسرة العراقية شكّل أولوية للاحتلال، وهدفاً وليس نتيجة، وهو هدف يتقدم على الاسباب الاخرى، باعتبار أن الاسرة ركيزة أساسية في بناء المجتمع، وبتفكيكها يتفكك المجتمع، فيسهل تحقيق بقية الأهداف، السياسية والاقتصادية.
وقبل أكثر من قرنين من الزمان، عدد المؤرخ البريطاني "إدوارد جيبون" أسباب انهيار وموت الأمم، كان في مقدمتها "انهيارُ مكانة وقدسية البيت والاسرة، وانهيارُ المسؤولية الفردية، وانهيار مكانة الدين في المجتمع" وأسبابٌ اخرى. أما المؤرخ "أرنولد توينبي"، فيرى أن الحضارة تدخل مرحلة الانهيار "بسبب فقدان القوة الاخلاقية والقيمية والروحية، فيحدث (شرخ في الروح) يميت القدرة على الابداع والتجديد ومجابهة التحديات"، وهذا ما أحدثه الاحتلالان الاطلسي والايراني في المجتمع العراقي، فما هي الاساليب التي سلكاها، وكيف تمكنا من تفكيك مجتمع عرف عنه طوال تاريخه، تمسكه بثوابته الدينية والاخلاقية؟
إستهداف القيم
وفي هذا الخصوص أكد الباحث "حسين صالح السبعاوي" أن من بين أساليب الاستهداف الكثيرة التي استخدمها الاحتلال الامريكي والايراني، يبرز استهداف "القيم والأخلاق الاسلامية السامية التي يتحلى بها الشعب العراقي،" معتبراً هذا الأسلوب غزوة فكرية إلى جانب الغزو العسكري، "حيث تم نشر الافكار المنحرفة ونشر الرذيلة والتشجيع عليها". ويدخل في هذا الباب أيضاً تفشي المخدرات والمؤثرات العقلية، ألتي كان من بين نتائجها تفكك الاسر، وكثرة حالات الطلاق وتشرد الأبناء.
الحروب خلفت جيوشاً من الايتام والارامل والمعوقين، والناظر إلى الشارع العراقي اليوم يرى الأعداد الكبيرة من الأطفال المتسولين
ويضيف الباحث في مقال نشره مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية "راسام"، أن هذين الاحتلالين استهدفا "كافة مفاصل الدولة العراقية وكل مكوناتها المجتمعية، حتى وصل استهدافه إلى الاسرة التي تعاني أصلاً من الظلم والتشريد وفقدان لرب الاسرة، بسبب الاخفاء القسري أو الاعتقال العشوائي، مما جعل الاسرة تدفع الثمن غالياً وتكون هي الضحية، سواء الام أو الابناء، وقد تعددت اساليب الاحتلال وأدواته من الحكومات المتعاقبة بهدف تفكيك الأسر أو تشريدها، سواء في المهجر أو في مخيمات النزوح أو حتى داخل الوطن". ويضيف الباحث "إن استهداف الاسرة العراقية من قبل الاحتلال وأدواته لم يكن اعتباطاً، بل هو امر مخطط له بدقة وعناية، وكان لأدوات الاحتلال الدور البارز في تنفيذ هذا المخطط القذر".
ألعامل الاقتصادي
وتناولت الناشطة دلال الربيعي عوامل أخرى أدت الى تفكك الاسرة العراقية بعد الاحتلال، ومنها العامل الاقتصادي، مؤكدة ان "تردي العامل الاقتصادي هو السبب الأهم للتفكك الأسري، وكذلك فقدان المعيل من جراء الحروب أو الطلاق، حتى بات واضحاً ولافتاً للنظر انتشار الأطفال في الاسواق والساحات والشوارع لكسب العيش والعمل.
وتؤيد ناشطة أخرى ماذهبت اليه الربيعي حول العامل الاقتصادي، حيث تقول "ابتسام مانع"، إن "موضوع التفكك الأسري خطر جداً ويحتاج إلى حلول جذرية، والعامل الاقتصادي أحد أسبابه". وتضيف مانع إن من الأسباب أيضاً،"الحروب التي خلفت جيوشاً من الايتام والارامل والمعوقين، والناظر إلى الشارع العراقي اليوم يرى الأعداد الكبيرة من الأطفال المتسولين، والنساء اللواتي أجبرتهن الظروف للنزول إلى الشارع والعمل لسد رمق أطفالهن بعد فقدان الأب إما جراء الحروب أو الطلاق".
وتناولت دراسة تحليلية صدرت عن جامعة ديالى، ألعديد من العوامل المرتبطة بالتفكك الأسري للعائلة العراقية بعد الاحتلال، مركزة على الهجرة القسرية، التي "أدت الى تصدع علاقـات القرابة وانقطاعها". واعتبرت الدراسة، أن علاقة القرابة في المجتمع العراقي القائمة على المصاهرة والدم، تعد أحد العوامل الاساسية للتماسـك الاجتمـاعي بـين الافراد والجماعات، فهذه العلاقات لعبـت دوراً كبيراً في التخفيف من آثار المشكلات الاجتماعية والنفسية، ومن وطأة الاعباء المادية والمعنوية للافراد والجماعات.
وتعرض سكان العديد من المناطق في العراق، خاصة بعد سيطرة الميليشيات المسلحة عليها، للتهجير القسري. وبحسب تقارير دولية، فإن أكثر من 100.000 شخص يعيشون في مخيمات غير رسمية أو ملاجئ مؤقتة ، بعد عدة سنوات على انتهاء العمليات العسكرية في مناطقهم، أما رحلة النزوح الداخلي فتضم أكثر من مليون إنسان، فضلاً عن اعداد كبيرة من المهاجرين الى الخارج.
فشل المؤسسة الرسمية
وتضيف الدراسة، أن "ما قامت به الادارة الامريكية بعد دخول قواتها إلى العـراق، أدى إلـى اصابة البناء الاجتماعي للمجتمع العراقي بالشلل التام، فحل الجيش والمؤسـسات الامنية وبعض الوزارات، أدى إلى فقدان الامن لدى الفرد العراقي، والامن كما هو معروف من الحاجات الاساسية للفرد في أي مجتمع".
وخلصت الدراسة الى القول، أن "غياب دور السلطة في حفظ الامن في البلاد وفقـدان الدولـة لهيبتهـا وتعطيل القانون واختفاء القضاء والمؤسسات الامنية والتنفيذية، أدى إلى حالة مـن الفوضى الهدامة، فعم الهرج والمرج في البلاد، وانتشرت ظاهرة الانفلات السلوكي، مما أدى إلـى اضعاف أو تلاشي التماسك الاجتماعي داخل المجتمـع العراقـي، وتعطيـل دور مؤسساته الاجتماعية وأولها (الاسرة)، فانعكس ذلك على طبيعـة العلاقـات الاسرية سلباً، وتصدعت الاسرة من الداخل."
ولا يعلق الكثير من المراقبين، آمالاً على أي حكومة قادمة في أن تصلح ما سببه الاحتلال من ضرر للاسرة العراقية، طالما كانت ضمن هذا النظام الذي بني بالطريقة التي سعى لها المحتلون، الذين كان تفكيك الاسرة العراقية من أولوياتهم.