نظّمت هيئة علماء المسلمين في العراق؛ ندوة بعنوان (الخطر الإيراني على المنطقة العربية.. شواهده وآثاره)، بالتعاون مع المجلس الإسلامي السوري، ورابطة علماء أريتريا، ورابطة العلماء السوريين.
وشارك في الندوة التي عقدت بمدينة إسطنبول التركية، في 4 تشرين الأول/ أكتوبر 2022 مجموعة من الباحثين والمفكرين، بحضور نخبة من العلماء والناشطين.

وافتتحت الجلسة الأولى من الندوة بورقة قدمها الشيخ غازي التوبة رئيس رابطة العلماء السوريين، تناول فيها أخطار مشروع ملالي إيران على قضية فلسطين.
وأكد التوبة خلال حديثه، أن عداء إيران لإسرائيل أكذوبة، وقد تكشفت زيف ادعاء عداءها لها ودعمها للقضية الفلسطينية.

وبيّن التوبة، أن دعم إيران لحل الجيش العراقي بعد غزوه سنة 2003 ما هو إلا دعم لمشروع الكيان الصهيوني في المنطقة.
وشدد على أن المشروع الإيراني وأدواته في المنطقة تشكّل واحدة من أكبر الأخطار على القضية الفلسطينية وتصفيتها.
من جانبه قدّم الاستاذ الدكتور جلال الدين محمد صالح رئيس مجلس الشورى في رابطة علماء إريتريا، ورقة بعنوان (الوجود الإيراني في القرن الأفريقي وخطره على الأمن العربي المملكة العربية السعودية نموذجا).
وأكد أنه على الرغم من أن إيران تعلن بين الحين والآخر عن حرصها في استقرار المنطقة، لكن المتتبع لسياساتها وعلاقتها بدول الخليج المجاورة تحديدا، يجدها حافلة بنقيض ما تعلن عنه، وهو ما يضاعف من مخاوف هذه الدول، وهي مخاوف حقيقية، ومشروعة.

ويشير صالح إلى أن إيران لديها أطماع توسعية، على حساب أمن دول الخليج، بصفة عامة، والسعودية، بصفة خاصة، وضمن هذا التطلع أدركت إيران أهمية القرن الأفريقي بالنسبة لما تخطط له من فرض ثقلها السياسي ونفوذها في المنطقة.
ويضيف، بأن القرن الأفريقي له أهمية استراتيجية كبرى، أمنيا، وسياسيا، واقتصاديا، على الصعيد الدولي بصفة عامة، وفي كونه يمثل بوابة حساسة بالنسبة لأمن السعودية، بحكم المجاورة والملاصقة، وما زال يشهد تنافسا بين شتى الاستراتيجيات الأمنية.
وفي ورقته المعنونة (لماذا سورية؟ وما مدى أهميتها في المخطط الإيراني)، قال الأستاذ مطيع البطين، المتحدث باسم المجلس الإسلامي السوري، أن مخطط إيران التوسعي يستهدف العديد من دول المنطقة، مثل العراق واليمن ولبنان وغيرها، ولا يقتصر على سورية.
ويبيّن البطين بأن إيران تهدف من خلال هذه السيطرة للهيمنة الإقليمية، لتصبح رقما يصعب تجاوزه في الموازنات والمعادلات الدولية، مستحضرة في مخططها هذا تاريخ إمبراطوريتها الفارسية، لكن من بين كل تلك الدول التي تستهدفها إيران في المنطقة تعد سورية بمثابة القلب في الإستراتيجية الإيرانية.
ويلفت إلى أن إيران لم تترك أسلوبا من الأساليب ولا أداة من الأدوات إلا واستخدمتها لتنفيذ مخططها في سورية، وأولتها الأهمية البالغة، إدراكا منها للدور الفاعل لكل أداة من تلك الأدوات في سبيل الوصول إلى هدفها، كما عمدت إلى استهداف المجتمع بالشعارات الطائفية ونشر الأفكار العقائدية.

ويعدد البطين أبرز 10 أساليب اتبعتها إيران في سوريا، منها الأساليب الإعلامية، والثقافية، والاجتماعية، والاغراءات المادية، والاقتصادية، واستمالة قادة النظام، والخداع والتستر بالشعارات، إلى جانب الأساليب العسكرية والتغيير الديموغرافي.
واعتبر إيران دولة استيطان مُستعمِرة للبلدان التي تتنفذ فيها من خلال تغيير ديموغرافية وهوية مناطقها، وهي تحتل سوريا بشكل مباشر، وهذا الاحتلال موثق بالدلائل والأرقام، كما عمدت إلى اغتيال الكفاءات ونشرت المخدرات في جميع المناطق السورية.
وقدّم الشيخ محمد عبد الكريم أمين عام رابطة علماء المسلمين، ورقة حول (الخطر الايراني وخدعة التقريب)، جاء فيها، إن اتفاق كلمة المسلمين ووحدة صفهم من المقاصد العظيمة، لكن مع نُبْل هذا المقصد فقد سلك بعض الناس لتحقيقه طريقاً لا يوصل إلى المراد، وهو الاستجابة لمحاولة التوفيق بين الحق والباطل.
ويشير أمين إلى أن إيران تهدف من دعوات التقريب هذه، إلى تحقيق الحلم الفارسي بإقامة إمبراطورية في العالم الإسلامي؛ وهذا واضح من خلال تصرفات القيادات الإيرانية، وهم يخططون له ويرسمون الاستراتيجيات لتحقيقه.

ويضيف، أنه عند البحث في الدور الإيراني الذي تلعبه في بلداننا لا بد من تتبع حقيقة الأهداف الإيرانية واستراتيجيتها لتحقيق تلك الأهداف، وأخيرا رصد المتغيرات المؤثرة على تلك الاستراتيجية.
وخلال الجلسة الثانية من الندوة، قال الأستاذ الصادق إبراهيم الرزيقي، رئيس اتحاد الصحفيين السودانيين، في ورقته حول (التغلغل الايراني في أفريقيا)، بأن إيران حاولت التغلغل في السودان عبر الوسائل الثقافية والعقائدية، وثمة مشاريع في البلد تعود لمستثمرين على علاقة مباشرة مع طهران.
وكشف الرزيقي أن التغلغل الإيراني في أفريقيا بدأ منذ عام 1979 من خلال اتصالها بالدول الافريقية واضعة استراتيجية سياسية وإعلامية ودبلوماسية للتعامل مع أفريقيا، وبدأ بفتح 10 سفارات ثم تطورت إلى 29 سفارة، والآن توجد لديها 40 سفارة في القارة السمراء.

ويضيف، استمر هذا النفوذ باستغلال الوسائل الدبلوماسية والسفارات والمراكز الثقافية والحوزات العلمية والبعثات المتخصصة وبعثات العون الإنساني، وتطور هذا الموضوع إلى استقطاب الطلاب في الجامعات والحوزات العلمية في إيران.
وأكد أن الحكومة السودانية أعلنت في ذلك الوقت أنها أغلقت المراكز الثقافية وقطعت العلاقات مع إيران لأنها تقوم بزرع الفتنة الدينية داخل السودان.
بدوره قال الدكتور ثامر العلواني، مقرر القسم السياسي في هيئة علماء المسلمين في العراق، إن الحديث عن الخطر الإيراني لم يكن وليد العقدين الماضيين؛ وإنما على مر العصور كان خطر دولة فارس تداهم وتهدد العرب والمسلمين، ثم الفرق الباطنية ثم الدولة الصفوية ثم الجمهورية الإيرانية، ولم يتوقف هذا الخطر إلا أنه يزداد وينقص بحسب قوة الدولة في إيران وضعفها.
وأضاف العلواني خلال تقديم ورقته (الخطر الإيراني على العراق شواهده وآثاره)، ربما انخدع البعض بشعارات الخميني التي تظهر العداء لأمريكا والكيان الصهيوني والغرب ولكن الحقيقة هي عكس ذلك تماما، ولذلك بعد استلام خميني للسلطة؛ فأول حروبه شنها على العراق ولم تكن ضد الكيان الصهيوني ولا ضد أمريكا وفي ذلك دلالة واضحة من هو العدو الحقيقي لإيران ونظام الولي الفقيه.

ويلفت العلواني إلى أن خطر إيران على العراق لم يتوقف وازداد في الغزو الأمريكي على العراق، ولم يظهر بشكل واضح وفاضح إلا بعد اكتمال الاحتلال الأمريكي البريطاني للعراق، وهناك اعترافات صريحة وموثقة من مسؤولين إيرانيين تؤكد تعاون إيران مع أمريكا في احتلال العراق.
ويؤكد أن من أخطر ما فرضه الاحتلال في العراق ورسخته إيران عن طريق أدواتها من الأحزاب والميليشيات هو العملية السياسية البائسة التي قسمت الشعب العراقي تقسيما طائفيا وعرقيا مقيتا.
وبيّن العلواني بأن أهل العراق واجهوا الخطر الإيراني وقدم أبناؤهم جهودا كبيرة لبيان خطر المشروع الإيراني والوقوف ضده، وكانت هيئة علماء المسلمين في العراق رأس الرمح في هذه المواجهة، وأهم ما قامت به هو الوقوف في وجه الحرب الأهلية التي سعت إيران وأمريكا لإشعالها، وقد نجحت إلى حد كبير.
وخلال ورقته التي تبحث (التدخلات الإيرانية وأثرها على العلاقات بين الجزائر وإيران) قال الأستاذ إدريس ربوح الباحث في الشؤون المغاربية والأفريقية، أن العلاقات الجزائرية الإيرانية بفترات صعود وهبوط وصلت إلى حد القطيعة التامة في مرحلة التسعينات من القرن الماضي.
ويعرب ربوح عن اعتقاده بأن إيران أساءت التقدير للوضع السياسي في الجزائر في بداية التحول الديمقراطي واستسهلت ردة فعل النظام الجزائري؛ عندما صرح أحمد جنتي وهو من آيات الله الكبار في إيران وكان حينها رئيس مجلس صيانة الدستور وخطيب جمعة طهران؛ عن سروره البالغ باغتيال الرئيس الجزائري الراحل محمد بوضياف؛ حيث وصفت الجزائر هذا التصرف بالدناءة وعدم التحضر والتصريح الفج واللا مسؤول.

وبيّن أن إصرار إيران لم يتوقف فقط على سياسة التدخل في الشؤون الداخلية الجزائرية، بل وتبنى مواقف عدائية للجزائر في الهيئات الدولية المتعدد الأطراف، جعلت العلاقات الجزائرية الايرانية في قطيعة معظم سنوات تسعينيات القرن الماضي.
ونوّه إلى أن العلاقات وصلت إلى مرحلة النضج واستمرت هذه العلاقات في التوسع طيلة العشريتين الأخيرتين؛ لكنها اتصفت بمحاولات ناعمة لإيران للتدخل في الشؤون الداخلية عبر بوابة العمل الثقافي عبر ملحقها الثقافي في السفارة الإيرانية.
وأشاد بوعي المجتمع المدني في الجزائر، والذي استطاع مواجهة تدخلات إيران بعد محاولتها التدخل في الشأن الجزائري عن طريق بعثاتها الدبلوماسية.
ويقول الباحث في الفرق والجماعات، الشيخ فاروق الظفيري خلال عرض ورقته (حقيقة طريق السبايا، دراسة في أبعاد التوظيف الطائفي المُسيَّس)، إن السبب الباعث على كتابة هذه الدراسة هو قيام (العتبة الحسينية) في العراق عام 2020 بطرح مشروع سمي (طريق السبايا)، تدعي فيه أن الركب الحسيني (ركب عائلة الحسين رضي الله عنه) بعد واقعة (الطف) في كربلاء؛ قد سلك هذا الطريق من الكوفة إلى تكريت إلى الموصل ثم إلى الشام.

وأوضح الظفيري بأن فكرة هذا المشروع هو قيامهم ببناء مراقد وأضرحة لمن يدعون أنهم كانوا ضمن الركب الحسيني وأنهم مروا من هذا الطريق، والحقيقة هي محاولة السيطرة على هذه المناطق (السنية) في سياق التغيير الديمُغرافي الجاري في العراق لصالح القوى الطائفية المتحكمة فيه.
وكشف الظفيري عن اعتماده هذه الدراسة على مصادر المذهب الإمامي حصرا، وما استدلوا هم به من المصادر الأخرى فقط، لكشف زيف ادعاء وجود هذا الطريق.
وقبل اختتامها شهدت الندوة مداخلات من بعض الحاضرين وتحدث الدكتور مثنى حارث الضاري مسؤول القسم السياسي في هيئة علماء المسلمين خلال مداخلته، أنه عندما نتحدث عن إيران فلا نعني الشعب الإيراني وإنما القوى السياسية الحاكمة.
ونوه الضاري بأن أعوان إيران في العراق ليسوا من الشيعة فقط، وإنما يوجد ذيول سنية تابعة لها حتى من بعض العمائم التي تدعي الصدارة والوجاهة لكنها متحالفة مع النظام في طهران.

وحذّر من أن ما فعلته إيران في العراق يشبه قامت به في لبنان بتجنيد طبقة موالية لها، وتحاول استنساخ هذه التجربة في مناطق وبلدان أخرى.
وشهدت الندوة قبل اختتامها مداخلة للشيخ أسامة الرفاعي المفتي العام للجمهورية السورية، قال فيها أن إيران ليست عدوا مؤقتا، وإنما هي عدو استراتيجي للأمة.
وأضاف الرفاعي بأن السياسي الحقيقي هو من يعرف كيف يقرأ التأريخ جيدا؛ لأن العلاقات مع إيران يجب أن تكون مبنية على الأحداث والشواهد التاريخية.
