عندما دخلت قوات الاحتلال العاصمة العراقية بغداد عام2003، كان مقتدى الصدر في العشرينات من عمره،وليست له خبرة سابقة في العمل السياسي، ولا يمتلك تحصيلاً دراسياً عالياً، ولم يكن له تأثير يذكر في الاوساطالشعبية.
وطوال الفترة التي أعقبت الاحتلال وحتى الآن، لم يتمكن من الوصول إلى المرتبة التي تؤهله لأن يصبح مرجعاًوفق تقاليد المذهب الجعفري. وباختصار كانت كل مؤهلاته أنه ينتمي لعائلة معروفة، ومع ذلك تزعم أكبر كتلةبرلمانية، إضافة الى العديد من الميليشيات المسلحة، مثل جيش المهدي ولواء اليوم الموعود وسرايا السلام.
وعرف عن مقتدى الصدر كثرة تقلباته وقراراته المتناقضة، فقد اعتزل العمل السياسي أكثر من مرة وعاد اليه،وتحالف مع إيران ثم ادعى معاداتها، وتحالف مع الشيوعيين وأمر جيش المهدي بحمل السلاح ضد الاحتلال، ثمأمرهم ببيع أسلحتهم المتوسطة والثقيلة له عام2004، بعد اتفاق مع الحكومة. وأدت هذه التناقضات إلى انشقاق عدد من معاونيه، أما عامة أتباعه الذين لا يستهان بعددهم، فهم يؤيدونه دون سؤال عن سبب قراراته أو عننتائجها، لأنهم يجدونها صحيحة طالما أنها صدرت عنه.
إجهاض الانتفاضة
ومن الاحداث البارزة التي وجد محللون سياسيون أنها مرسومة لإجهاض الانتفاضة الشعبية باستخدام الصدر وأتباعه، ما حدث عام 2016 عندما اقتحم متظاهرو ساحة التحرير البرلمان، حيث تفاجأ المتظاهرون بأعداد منأتباع الصدر يتسللون بينهم ويرفعون صوره، وقال أحد المتظاهرين "إن هؤلاء حاولوا الايحاء بأن زعيمهم هومن خطط للانتفاضة وقادها"، مضيفاً أنها "كانت فرصة مثالية للاطاحة بالعملية السياسية برمتها وتأسيس نظام وطني جديد بعيداً عن المحاصصة الطائفية، لكن هؤلاء خلطوا الاوراق وأفشلوا الانتفاضة".
وانسحب الصدر من الخيمة التي أقيمت له في المنطقة الخضراء، فعمت الفوضى وانسحب أتباعه بعده، واعتبرالمتظاهرون أن هذه الحركة كانت مرسومة بعناية، وقد نجحت بانقاذ العملية السياسية في اللحظة الاخيرة.
واتجه مقتدى الصدر إلى ايران بعد مغادرته خيمته، على متن طائرة ايرانية خاصة أقلته من مطار النجف، قالفيما بعد أنه قصدها من اجل "الاعتكاف"!
إيران متورطة بعملية التفجير الامامين العسكريين، وهناك أدلة على ذلك قُدمت لحكومة نوري المالكي، التي لم تحرك ساكناً.
اقامة دائمة في إيران
ويعتقد محللون سياسيون، أن إيران وجدت فيه ضالتها، ففي الوقت الذي ترعى فيه الاحزابَ والفصائل الموالية لها بشكل علني في العراق، تحتاج لمن يمتص النقمة الشعبية على فساد هذه الأحزاب وتبعيتها لها، ولكي لايذهب الناقمون بعيداً، بحثت عن شخصية من داخل العملية السياسية تضمن طاعتها، فتعطيها الضوء الاخضربادعاء معارضتها عند الحاجة فيلتف حولها الرافضون للفساد، وبذلك تكون قد أمسكت بطرفي الخيط الذي يُبقيالعملية السياسية مستمرة وتحت السيطرة: طرف الذين يتبعونها بالسر والعلن، وطرف الذين يعارضونها فيالعلن ويتبعونها في السر.
ومنحت إيران مقتدى الصدر وأسرته إقامة دائمة على أراضيها، كما منحته حوزة قم درجة "حجة الاسلام". وتوجه الصدر إلى ايران بعد الاحتلال، ومازال يتخذها منتجعاً تارة، ومعتكفاً تارة اخرى، رغم إعلانه الوقوفضد سياستها في العراق. وشاعت في الآونة الاخيرة، أخبار إلغاء إقامته فيها، لكن السفارة الايرانية في بغدادسارعت لتكذيب الخبر. ونفت السفارة في منشور لها على "تويتر"، صحة رسالة تداولتها وسائل التواصلاللاجتماعي، نسبت إلى وزير الخارجية الإيراني "حسين أمير عبد اللهيان"، حول إلغاء إقامته وأسرته علىأراضيها، مضيفة أنها "تدين وبأشد العبارات مثل تلك المحاولات اليائسة لإفساد العلاقات بين البلدين والشعبينالشقيقين الصديقين"، حسب تعبير السفارة.
جرائم جيش المهدي
ولعل من أبشع جرائم أتباع الصدر، تلك التي ارتكبها جيش المهدي في أعقاب تفجيرات سامراء، من قتل للمصلين وتفجير لجوامع السنة، والتي ثبت ضلوع ايران بها من أجل تأجيج الفتنة الطائفية.
وفُجر مرقدا الامامين علي الهادي والحسن العسكري في سامراء، يوم 22 شباط/فبراير 2006 ، وبشهادة قائد القوات المتعددة الجنسيات إبان فترة الغزو الأمريكي الجنرال" جورج كيسي"، فإن إيران متورطة بعملية التفجير، حيث أكد امتلاك قواته أدلة على ذلك. وقال كيسي أنه قدم الأدلة لحكومة نوري المالكي، التي لم تحرك ساكناً.
وعلى الفور قامت ميليشيا جيش المهدي التابعة لمقتدى الصدر، بسلسلة اعتداءات طالت نحو 30 مسجداً، الأمرالذي أشعل الاقتتال الطائفي في البلاد؛ وأوقع الآلاف من الضحايا.
وتراوحت نتائج قرارات الصدر بين ضحايا أبرياء سقطوا على يد جيش المهدي، وبين تظاهرات أفشلها أتباعه، وضحايا آخرين تمت تصفيتهم على يد بقية الميليشيات والجماعات التي اسسها فيما بعد، حيث برزت القبعاتالزرق وميليشيا سرايا السلام أواخر عام 2019 بدعوى الفصل بين المتظاهرين والقوات الحكومية، لكنها بدلاً من ذلك أوغلت في دماء المتظاهرين، مثلما أوغل جيش المهدي من قبلهم بدماء المصلين داخل بيوت الله.