يشهد العالم منذ ما يقرب من مائة عام سباقاً متنامياً للحصول على كميات من المياه تكفي الحاجة الآنية وتلبي الطلب المتنامي، مع الإنفجار السكاني وزيادة الطلب عليه. ووضع الخبراء المتخصصون خططاً تجنب بلدانهم كوارث لا يمكن التنبؤ بنتائجها، وعقدت الإتفاقات والمعاهدات الدولية لضمان تدفق المياه من منبعها إلى مصبها، كما توقع العديد من المحللين السياسيين أن يشهد القرن الحالي حروباً داميةً للسيطرة على منابع المياه، وقد بدأت بالفعل بوادر مثل هذه الحروب في أكثر من مكان بالعالم.
وأمام هذا الواقع المخيف، إتجهت الأنظار إلى المياه الجوفية كمصدر مهم يمكن الركون إليه، رغم التكاليف والصعوبات التي قد تعترض استخراجه من أعماق تكون أحياناً بعيدة. وتشابه عملية استخراج المياه الجوفية استخراج النفط، إلا أنها تستحق ما يبذل في سبيلها، فالمياه أهم من النفط لارتباطها بشكل مباشر بحاجة الإنسان وبقائه على قيد الحياة. وقدرت دراسة نشرها موقع New Scientist، أن " الطبقة التي تقع على عمق 410 إلى 660 كلم تحت سطح الأرض، بين الجزئين العلوي والسفلي لطبقة الوشاح، تحتوي على كميات كبيرة من المياه تعادل حجم تلك الموجودة في المحيطات مجتمعة".
خزين المياه الجوفية في العراق
وأكد تحديث للبنك الدولي أن العراق يتربع على صدارة الدول العربية بخزين المياه الجوفية المتجددة، حيث يبلغ 35.2 مليار متر مكعب، يليه المغرب 29 ، فالجزائر 11.25، ثم -سوريا 7.132، والصومال 6 مليارات متر مكعب، في حين تقبع الكويت في قعر القائمة، حيث تخلو أراضيها تماماً من المياه الجوفية.
وأثارت تقديرات البروفسور الفرنسي "ألن غاشيت" لكمية المياه الجوفية في محافظة الأنبار والصحراء الغربية إهتمام الباحثين والمتخصصين في هذا المجال. وكان غاشيت قد أجرى بحوثاً استمرت تسعة أشهر، إستخدم خلالها "تقنيات الإستشعار عن بعد مثل التصوير بالأقمار الصناعية وصور الرادار من مركبة الفضاء لجميع أرجاء العراق، والتي كشفت مستوى الرطوبة داخل التربة حتى عمق عشرين متراً". وقال غاشيت إن "المفاجأة الكبرى لنا هو ما رأيناه في الصحراء الغربية والأنبار حيث وجدنا آثاراً للرطوبة في كل اأحاء هذه المنطقة". وعلل الخبير الفرنسي وجود .المياه في هذه المنطقة رغم قلة هطول الأمطار، بأن "كل الأمطار التي هطلت على السعودية والأردن منذ آلاف السنين وهي عملية لاتزال مستمرة الى اليوم، ترشحت تحت الأرض نحو المناطق العراقية وبقيت محصورة فيها، بسبب صدع جيولوجي كبير يقع داخل الأراضي السعودية يسمى "صدع أبو جير"
مقترحات غاشيت
وتوصل الخبير الفرنسي لوجود ثلاثة خزانات جوفية رئيسية في هذه المنطقة، واقترح "أن يتم الحفر في الجانب العراقي وتخزين المياه المستغلة التي تغطي مايصل إلى أكثر من ألف متر، وهذا لوحده يمثل اكثر من 10 الاف مليار متر مكعب، بدون الأخذ بالإعتبار خزان سكاكة الجوفي، والذي ينبغي أن يكون غنياً بالمياه وعمقه أكبر بكثير"، مؤكداً أن الصحراء الغربية والانبار تحتوي على "كمية هائلة من المياه الجوفية والتي لم يتم استخراجها من قبل، ولم تحفر شركات البترول هذه الطبقات لأنها غير ملائمة لخزن البترول". وأضاف غاشيت "أننا بتطبيق الخرائط للطبقات ذات السطوح المتساوية كما تفعل شركات البترول سنحدد الطبقة لنصل إلى خزانات مياه جوفية هائلة جداً، تمثل تقريباً 16 مليار متر مكعب من المياه القابلة للإستخراج، ومن شأن هذه المسألة أن تغير مستقبل الصحراء الغربية تماماً".
وقال الخبير الفرنسي أنه "وبسبب وجود منحدر بفارق الف متر ما بين منطقة إعادة التعبئة في السعودية، ومنطقة المصب في العراق حيث سنحفر الآبار، فإن هذه طريقة جديدة في التفكير وطريقة جديدة للإستكشاف وليس لها اي علاقة بالهيدرولوجيا التفليدية، إنما هذه طريقة استكشاف بترول لكن للمياه، وسوف يتم توزيع هذه المياه بالانابيب وليس بواسطة القنوات المفتوحة المعرضة للتبخر، لهذا فإن هذه الطريقة هي عملية تحول فكرية كبيرة".
لماذا تعترض وزارة الموارد المائية العراقية؟
ويعتبر البروفسور ألن غاشيت شخصية علمية مرموقة ومعروفة على مستوى العالم، وهو حاصل على العديد من الأوسمة والجوائز لإنجازاته العلمية والإنسانية، منها وسام الجمهورية الفرنسية، ومع ذلك لم تقتنع وزارة الموارد المائية العراقية بطروحاته ولم تقيم مقترحاته التي قدمها للجهات العراقية، حيث شكك مستشار الوزارة "عون ذياب" في تصريح صحفي بالأرقام التي نشرها غاشيت عن حجم خزين المياه الجوفية. وقال ذياب إن "العراق يملك خزيناً متجدداً من المياه الجوفية، يمكن تعويضه من خلال سقوط الأمطار." وقدر المسؤول العراقي خزين البلاد من المياه الجوفية بخمسة مليارات متر مكعب، وهو رقم يقل كثيراً حتى عن التحديث الذي نشره البنك الدولي، والذي أكد أنه يبلغ 35.2 مليار متر، لافتاً إلى أن "حجم المياه الجوفية الإستراتيجي غير محدد بشكل دقيق في الوقت الحالي، ولا يمكن استخدامه إلا في حالات الطوارئ لعدم إمكانية تعويضه". وشدد ذياب على أهمية المياه الجوفية في تعويض البلد نتيجة شح الأمطار، كما حذر مما أسماه "الإستغلال الجائر للمياه"، متذرعاً بالحاجة إليها في "سنوات الجفاف المائي" حسب تعبيره.
ويتفق المهندس في االوزارة "مخلد عبد الله" مع ما ذهب إليه المستشار، حيث اعتبر الأرقام التي تحدث عنها المهندس الفرنسي "خيالية وبعيدة عن الواقع بشكل نهائي".
وسخر الناشط البيئي "فراس عبد الستار" من تقييم مسؤولي الوزارة للإنجاز الذي قدمه البروفسور الفرنسي، وعدم تحمسهم لمقترحاته بقوله "إذا لم تكن هذه سنوات جفاف مائي فكيف سيكون الحال فيها"؟ معقباً بالقول: "لم تحافظوا على المياه السطحية وتركتم إيران تغير مساراتها وأنتم تتفرجون، والآن جاء دور المياه الجوفية. إنها حرب أيها السادة ففي أي صف تقفون؟".
وطالما كان القرن الحالي بالفعل قرن الحروب على المياه بحسب العديد من الخبراء حول العالم، فإن لكل حرب جنودها، وعلى الجميع أن يعرفوا في أي صف يحاربون.