تمثل شحة تجهيز الطاقة الكهربائية مشكلة حقيقية للمواطن العراقي، بسبب التفاوت الكبير في درجات الحرارة بين الصيف والشتاء، فضلاً عن تسببها بتوقف كثير من المشاريع الصناعية التي تعتمد على الطاقة الكهربائية.
وأقر وزير الكهرباء "زياد علي فاضل" خلال لقائه اللجنة المالية النيابية، بأن "العجز الحاصل في تجهيز الكهرباء يصل إلى 14 الف ميكاواط، فيما نحتاج الى 37 الف ميكاواط للوصول للاكتفاء الذاتي من التجهيز بمعدل 24 ساعة"، حسب ما ذكره بيان الدائرة الاعلامية في مجلس النواب.
ورغم أن الأرقام الرسمية تتحدث عن أكثر من 80 مليار دولار، اُنفقت منذ 2003 وحتى الآن لتحسين الانتاج ، لكن الواقع يشير إلى أن المواطن لا يحصل على أكثر من ثلاث ساعات تجهيز يومياً، مما يرهق ميزانيته المتدنية أصلاً عند محاولته الحصول عليها وبكفاءة أقل من المولدات الأهلية، إضافة إلى مخاطر تشغيل المولدات في الأحياء السكنية، حيث يساهم تشغيلها برفع نسب التلوث، كما أنها معرضة للإنفجار نتيجة عملها لفترات تفوق طاقتها.
ومع هذه النسبة المتدنية من التجهيز الحكومي، تسعى وزارة الكهرباء لتحميل المواطن كامل اجور تجهيز الطاقة، حيث شكا الناطق باسم الوزارة "أحمد العبادي" من أن "صناعة" الكهرباء تكلف الدولة 12 مليار دولار سنوياً كدعم للمواطن، الذي يدفع فقط 7%، في حين تتحمل الميزانية 93% حسب تعبيره. وأبدى مواطنون استغرابهم من تذمر الوزارة، في حين يتحمل المواطن تكاليف باهضة للحصول عليها من المجهز الأهلي، بسبب عجز الحكومة عن توفيرها. وقال المواطن "عبد العظيم جابر" من بغداد، "عندما يجد المواطنون خدمة حقيقية مقابل ما تخصصه الموازنة من أموالهم للكهرباء سيدفعون كامل الاُجور فهذا واجب، لكن مايحدث أننا ندفع ثمن تقصير الحكومة من جيوبنا." وتساءل جابر عن مصير ال80 مليون دولار التي خصصت للكهرباء خلال 20 عاماً، اذا كانت الوزارة تدفع كل عام 12 مليون دولار لتسديد فواتير المواطنين.
ما قصة "سيمنس"؟
وضمن حديثه الذي نقلته مواقع صحفية، طالب المتحدث باسم وزارة الكهرباء بتعديل قانون الشركات بطريقة تجعل العراق بيئة جاذبة للاستثمارات العالمية، حيث لا يمكن النهوض بقطاع الطاقة بدون مشاركة الشركات العالمية في صناعة الكهرباء، لكن الخبير في مجال الطاقة "علاء الأسدي" أكد في حديث صحفي، إن هناك بالفعل شركات عالمية تعاقدت معها الحكومات العراقية، إلا أنها تلكأت جميعها في تنفيذ المشاريع المكلفة بها، ومن هذه الشركات "أي بي بي" البريطانية-الهولندية، و"جنرال إلكتريك" الأميركية، بالإضافة إلى "سيمنز" الألمانية.
واستعرض تقرير تلفزيوني العقود التي أبرمتها الحكومات المتعاقبة فقط مع شركة "سيمنس" الألمانية، مؤكداً أنها مستمرة منذ 15 عاماً، وتتجدد بكُلَفٍ إضافية كلما تشكلت حكومة جديدة، دون أن يلمس المواطن شيئاً منها على أرض الواقع. وقال التقرير إن أول عقد اُبرم مع الشركة الألمانية كان في عام 2008 أثناء ولاية رئيس الوزراء الأسبق "نوري المالكي" بقيمة مليار و909 مليون دولار، لإنتاج 3190 ميغاواط خلال عام واحد. وانتهت ثماني سنوات من حكم المالكي (2006-2014) دون أن يتحقق ذلك، ليوقع خلَفه "حيدر العبادي" عقداً آخر مع نفس الشركة بقيمة 13 مليار يورو لتجهيز العراق بالكهرباء 24 ساعة، لكن ذلك لم يحدث أيضاً. ثم وقع "عادل عبد المهدي" عقداً مع الشركة بقيمة 14 مليار و 650 مليون يورو لانتاج 11 الف ميغاواط، تم تجديده في حكومة الكاظمي، ليختم رئيس الحكومة الحالية "محمد شياع السوداني" هذه السلسلة، بتوقيع مذكرة تفاهم خلال زيارته الأخيرة إلى ألمانيا، وعقداً مع الشركة بقيمة 10 مليارات دولار لإنتاج 6 آلاف ميغاواط.
وعن مذكرة التفاهم قال الأسدي، إن "السوداني لن يغير شيئاً من خلال مذكرة التفاهم هذه، فحكومته شبيهة بالحكومات السابقة التي سبق أن وقعت مذكرات تفاهم مع شركة سيمنز وغيرها"، مضيفاً أن الوضع سيبقى على ماهو عليه خلال السنوات الخمس القادمة، بسبب التلكؤ في تنفيذ المشاريع، أخذاً بنظر الاعتبار الزيادة السكانية وما يترتب عليها من زيادة الطلب على الطاقة.
من سيمنس إلى جنرال الكتريك
وتعليقاً على العقد الأخير الذي أبرمه السوداني مع "سيمنس"، قال مسؤول بدرجة معاون مدير في وزارة الكهرباء، عرف نفسه ب (أبو حسن)، إن العقد يقتصر فقط على التدريب والصيانة ولا تتضمن بنوده بناء محطات أو شراء محولات، مؤكداً إن وفداً أمريكياً التقى السوداني فور عودته من ألمانيا، ليوقع معه عقداً آخر يتضمن شراء 400 محولة امريكية من شركة "جنرال الكتريك" الأمريكية. وتساءل المتحدث في اتصال مع قناة تلفزيونية "على ماذا سيتدرب المتدربون، على الأمريكية أم على الألمانية التي لم يتم التعاقد عليها؟"
وخلص المسؤول إلى أن هذه المحولات تبقى عديمة الفائدة، إذا لم تُنشأ محطات جديدة بدل محطاتنا القديمة والمستهلكة ذات الطاقة الواطئة.
ويمتلك العراق كل عوامل إنتاج الطاقة الكهربائية وفي مقدمتها الغاز، دون الحاجة للإستيراد، لكنه وبدلاً من استغلال هذه الثروة في إنتاج الطاقة وتصدير الفائض منها، يقوم بالتخلص منها بحرقها في الجو. وبحسب تصنيف البنك الدولي، فقد احتل العراق العام الماضي وللسنة الرابعة على التوالي، المرتبة الثانية من بين أكثر الدول حرقاً للغاز على مستوى العالم، فيما يستورده من إيران لإنتاج كميات محدودة من الطاقة الكهربائية، إضافة إلى استيراده منها 1200 ميغاواط بواسطة أربعة خطوط ناقلة. واعترفت وزارة الكهرباء بعدم وصول الكهرباء أو الغاز بالكميات المتفق عليها، وقال المتحدث باسم الوزارة "أحمد موسى"، إن الاتفاق مع إيران يتضمن تجهيز العراق ب 55 مليون متر مكعب من الغاز، لكن ما تجهزه لا يتعدى 45 مليون متر مكعب، في وقت بلغت الحاجة الفعلية 60 مليون متر مكعب.
وقال موسى إن هناك محاولات لتنويع مصادر الطاقة، من خلال استكمال الربط المشترك مع تركيا والمملكة الأردنية الهاشمية، كما بحثت وزارته الموضوع مع هيئة الربط الخليجي والمملكة العربية السعودية، في مفاوضات استغرقت سنتين.
وحتى ينعم المواطن ب24 ساعة من الطاقة الكهربائية التي تعده بها الحكومات المتعاقبة، يبقى الغاز مشتعلاً في الجو، ويبقى نزيف الأموال بين عقود تبرم ولا تنفذ، ومفاوضات لا يبدو أن لها نهاية قريبة.