خفض سعر الدولار .. جرعة مهدئة وعواقب اقتصادية مستقبلية

تسببت ظاهرة تهريب العملة الصعبة إلى إيران ودول اخرى، والإجراءات التي اتختها الخزانة الأمريكية لإيقاف هذه الظاهرة، بنقص كبير برصيد العراق منها، ووفق قاعدة العرض والطلب، قفز سعر صرف الدولار الأمريكي إلى أرقام قياسية، ليقترب من 1800 دينار لكل دولار، وهو رقم لم يصل إليه منذ الغزو الأمريكي عام 2003. وكنتيجة طبيعة لهذا الارتفاع، قفزت أسعار معظم السلع ومنها الغذائية، ففي بلد تتوقف الزراعة والصناعة فيه، وتعتمد موارده على الاقتصاد الريعي، مكتفياً بتصدير النفط ليدفع رواتب موظفيه، يكون الاستيراد الوسيلة الوحيدة لسد حاجة السوق، وهو سبب آخر لتناقص رصيد العملات الصعبة. وبارتفاع أسعار السلع الغذائية، لامست القضية قوت المواطنين اليومي، مما دفع المئات منهم في الأسابيع الماضية، للخروج بتظاهرات تطالب بحل فوري لهذه الأزمة.
وفي محاولة لتدارك الموقف، قرر البنك المركزي العراقي تخفيض سعر الدولار، مما أدى إلى تراجع سعر الصرف في السوق الموازي إلى 1450 دينار، فيما حدد البنك المركزي 1300  دينار لشرائه من وزارة المالية، و1310 لبيعه الى المصارف من خلال المنصة الألكترونية، أما المستفيد النهائي فيستمكن من الحصول على الدولار مقابل 1320 دينار.
وجاء في بيان للمكتب الاعلامي لرئيس الوزراء، إن مجلس الوزراء "صادق على قرار مجلس إدارة البنك المركزي العراقي بتعديل سعر صرف الدولار مقابل الدينار، بما يعادل 1300 دينار للدولار الواحد".

وفور صدور القرار رحب به ممثلو أحزاب السلطة بمجلس النواب، متجاهلين المخاطر المستقبلية التي حذر منها خبراء اقتصاديون، اعتبروا القرار تخبطاً يعود لأسباب سياسية لا اقتصادية. ومن بين هؤلاء النواب "علي تركي الجمالي"، ألذي لم يتطرق لقضية التهريب باعتبارها السبب الرئيس للأزمة، لكنه قال إن ما حدث كان "لعبة" تمارسها أمريكا ضد ما أسماه ب"دول محور المقاومة"، واصفاً قرار خفض سعر الدولار بالجريء والناجح.

 

مخاطر القرار

وبحسب أحاديث أدلى بها خبراء اقتصاديون لمواقع صحفية، فإن التعامل مع القضية على المدى المنظور وتجاهل أبعاد القرار المستقبلية، يعبر عن قصور بالغ في المعالجة، سواء أكان ذلك نتيجة جهل بهذه الأبعاد، أم للهروب بشكل مؤقت من تأثير ارتفاع الدولار، معتبرين أن هذه الخطوة ليست إلا جرعة مهدئة ذات آثار مستقبلية خطيرة على الاقتصاد العراقي. وفي تقييمه للقرار، قال أستاذ الاقتصاد في جامعة البصرة "نبيل المرسومي"، إنه  يعبر عن "عبث السياسة بالاقتصاد مرة أخرى"، وإنه سيعقد إقرار الموازنة ويؤخرها أكثر، ويربك مفرداتها، ويعمق العجز فيها.

وعقب المرسومي بالقول، إن "سعر صرف الدولار سيبقى في السوق الموازي قريباً من سعره الحالي، لأنها مسألة عرض وطلب، وكلما تقدمنا تزداد الفجوة ويزداد الطلب، لذا فإن التخفيض سيكون عديم النفع على السوق والمواطن، وستستفيد شركات الصرافة والوسطاء والمضاربون"، مضيفاً إنه "حتى لو ارتفع سعر صرف الدينار مؤقتاً، فإنه سيعاود الانخفاض مرة أخرى".

وعلقت وكالة "Bloomberg Economics" الأمريكية المتخصصة بالشأن الاقتصادي على القرار بالقول، إن العراق سيواجه ندرة بالمعروض من الدولار، وإن إجراء البنك المركزي لن يحل المشكلة، لأنه "لن يغير المعروض من الدولارات التي تدخل السوق، وبدلًا من ذلك، فإنه يزيد من اعتماد العراق على النفط، خاصة عندما يقترن ذلك بزيادة الإنفاق الحكومي”.

 

من بين العواقب التي ستترتب على القرار التأثير على التجارة الخارجية، وستبرز مشكلة في تضارب المراكز المالية ويتأثر الاستثمار، وسيكون من الصعب خفض الأسعار بعد ارتفاعها الكبير والمفاجئ

 

بدوره اعتبر العضو السابق بلجنة النزاهة النيابية "رحيم الدراجي"، إن القرار سيؤثر على دفع الرواتب وعلى استقرار السوق، مضيفاً أن "هناك عجزاً في النفقات، وتخفيض الدولار سوف يضاعف المشكلة، وقد تعجز الحكومة عن تسديد الرواتب". وعبر الدراجي عن اعتقاده بأن تخفيض الدولار سيؤدي إلى زيادة تهريبه، بسبب الفرق بين سعره في العراق وسعره في الدول المجاورة، كما سيؤدي أيضاً إلى "خسائر كبيرة للتجار، إذ يفترض أن يمنحوا على الأقل بين 3 و4 أشهر لحين تصريف بضائعهم".

 

مضاعفة العجز ..واللجوء إلى الدين

وأكد هؤلاء الخبراء أن من بين انعكاسات القرار السلبية، تخفيض الواردات الحكومية المقومة بالدينار العراقي، حيث تقدر الكلف المباشرة التي ستدفع لتحسين الدينار ب 15 ترليون دينار سنوياً، وهي كلف مضافة إلى العجز، حيث ستضطر الحكومة لتعويضه بالاقتراض، فتتضاعف المديونية.

ومن بين العواقب التي ستترتب على القرار التأثير على التجارة الخارجية، وستبرز مشكلة في تضارب المراكز المالية ويتأثر الاستثمار، وسيكون من الصعب خفض الأسعار بعد ارتفاعها الكبير والمفاجئ.
ويرى الخبير الاقتصادي "محمود داغر"، أن "سعر الدولار في السوق يفرق عن السعر الرسمي بسبب تدني قدرة البنك المركزي العراقي على عرض الدولار لأغراض الاستيراد، لأن نافذة بيع العملة تعمل منذ ثلاثة أشهر بأقل من الطاقة التي يحتاجها البلد من أجل سحب الدينار المحلي من السوق"، مضيفاً  أن "أي حل نقدي لتصحيح الاقتصاد العراقي لن يأت أكله، فإذا بقينا نركز فقط على قرارات نقدية صرفة، وعلى سعر الصرف كحل للاقتصاد فلن يتحقق ذلك". وعن تصوره لحل دائم للمشكلة، بقول داغر إن هذا لن يكون "إلا بإصلاح هشاشة الاقتصاد من خلال تفعيل نواتج القطاعات الحقيقية، الزراعة والصناعة والتجارة".
من ناحيته قال الباحث "وحيد عباس" إن "قيمة الدينار متدنية لأنه لا يستند إلى أرضية اقتصادية صلبة، وإنما فقط على بيع النفط، ويجري تثبيت سعره من خلال ضخ كميات كبيرة من الدولار في السوق عبر نافذة مزاد العملة التابعة للبنك المركزي".
ويضم عباس صوته إلى الخبراء الذين انتقدوا قرار البنك المركزي المدعوم من حكومة السوداني، مؤكداً أن الأزمة لن تُحل "إلا بإصلاح الوضع الاقتصادي للبلد، فلن يكون بالإمكان بيع كميات كبيرة من الدولار كما كان في السابق، بسبب القيود الأمريكية عبر تطبيق نظام سويفت".
وأوردت وكالة "فرانس بريس" خلاصة لتحليلات خبراء اقتصاديين للقرار مفادها، "إن التحسن في سعر الصرف الجديد للدينار هوتحسن مؤقت وهش، ولا بد من حلول جذرية مثل اعتماد تدابير تنظيمية أكثر صرامة، ومزيد من الشفافية لمعالجة غسيل الأموال، وإيقاف تهريبها إلى إيران."

25 فبراير، 2019
المعلم العراقي.. حقوق منتهكة وحماية مفقودة
10 فبراير، 2017
اتفاقية خور عبدالله الحدودية… بذرة توتر وازمة جديدة تتفجر بين العراق والكويت
4 مارس، 2022
آخر ابتكارات الميليشيات العراقية سرقة المواشي ونقل المخدرات باستخدام الطائرات المسيرة 
27 يناير، 2020
الخداع .. الواقع يكذب مزاعم الاعمار في الأنبار
8 أغسطس، 2019
المغيبون في العراق.. تجاهل حكومي ودعوات لتدخل دولي
13 أغسطس، 2022
رفضه العراقيون واللبنانيون معاً .. جواز السفر "اليدوي" مخالفة دولية بغطاء طائفي
21 أبريل، 2017
"استقلال كردستان".. املاءات إيرانية جديدة على حكومتي بغداد واربيل
7 يوليو، 2017
الآثار السلبية للفقر على العلم والثقافة
3 ديسمبر، 2016
غرق المخيمات بمياه الامطار ووفاة الاطفال من شدة البرد...معاناة جديدة تفاقم اوضاع النازحين المأساوية
13 مارس، 2023
تبعية الاقتصاد العراقي لإيران ..أثمان باهضة يدفعها العراقيون
8 سبتمبر، 2018
موجة هجرة جديدة للأطباء في عموم العراق
17 مايو، 2018
مغردون: #الغاء_نتائج_الانتخابات مطلبنا
menu-circlecross-circle