المكاتب الاقتصادية للأحزاب سرطان يفتك بالإقتصاد العراقي

ليس من المتعارف عليه في بلدان العالم بشرقها وغربها، أن تكون للحزب أو الأحزاب الحاكمة، مكاتب اقتصادية داخل الوزارات، تعمل على الهيمنة على مشاريع الدولة وتسخيرها لصالحها، لكن ذلك يحدث في العراق، حيث انتشرت هذه الظاهرة بعد الاحتلال وتوسعت بشكل كبير.

ويقتضي نظام المحاصصة المذهبية والقومية توزيع الوزارات على الأحزاب المشاركة بالحكم، مما سمح لها إنشاء مكاتب اقتصادية في الوزارات التي ظفرت بها وفي المحافظات وأينما اُتيح لها ذلك، لإدارة شؤونها المالية، وهكذا نشأ اقتصاد موازٍ خارج نطاق الدولة، أسهم بحسب مراقبين بتعطيل الاقتصاد الوطني وتبديد ثروات البلاد.

وتعمل المكاتب الاقتصادية داخل كل وزارة بنظام خاص، يتمثل بالمراقبة والاطلاع على المشاريع والعقود، لغرض استيفاء نسبة من المبالغ المخصصة لكل مشروع، باعتبارها "حصة" الحزب، أو الدخول في المناقصات من خلال شركات تابعة لها لتنافس المتقدمين للعروض، فتحقق لنفسها أرباحاً كبيرة على حساب الاقتصاد الوطني، وعلى حساب أصحاب المشاريع الصغيرة، الذين لا يستطيعون منافسة غيلان الاقتصاد الموازي، ونفوذهم.

وتستمد هذه المكاتب قوتها من مصادر عديدة، فهي تمتلك  قوة السلاح من خلال أذرعها المسلحة، بما يمكنها من إسكات المعترضين عليها. كما أن السلطة التشريعية لا تعترض على وجودها، وذلك من أجل الحفاظ على توازن المصالح بين القوى المكونة للبرلمان، فالجميع لديه لجان اقتصادية، ويريد كسب المزيد من المال.

مكاتب الميليشيات الاقتصادية

ولم يعد وجود المكاتب الاقتصادية مقتصراً على مقار الوزارات ودواوين المحافظات، بل أصبح لميليشيات الاحزاب أيضاً مكاتب اقتصادية، حيث اتخذت أشكالاً وأسماء مختلفة، مثل مكاتب المقاولات والشركات التجارية ومكاتب الصيرفة والمكاتب العقارية، وتنتشر في أغلب المحافظات، لكن نشاطها يتركز بشكل خاص في المحافظات التي تفرض سيطرتها عليها، والتي هدمتها الحرب مثل الموصل وصلاح الدين والأنبار، لتلتهم الأموال المخصصة لإعادة الإعمار، وكذلك في المحافظات التي لديها منافذ حدودية.

وبحسب مسؤول في هيئة الاستثمار، فإن أكثر من 60 ميليشيا تمتلك مكاتب اقتصادية، وهناك مايزيد عن 50 شركة تعمل في مجال الاستثمار والإنشاءات والتجارة والبنى التحتية والنقل والسياحة الدينية مملوكة لهذه الميليشيات، حيث تستغل نفوذها في الاستحواذ على صفقات ومشاريع بلا منافسة. ولا يقتصر عمل الميليشيات على التدخل في قطاعات الأعمال والاستثمار من خلال مكاتبها الاقتصادية، بل امتد للعديد من الممارسات كفرض الاتاوات والتهريب والابتزاز.

وتطرق المسؤول الذي رفض ذكر اسمه، إلى دخول الميليشيات في مزاد العملة من خلال واجهاتها المتعددة، حيث تحصل على نسبة من مبيع الدولار، ولديها شراكات مع مصارف، وسلسلة من مكاتب الصيرفة، مؤكداً أن ميليشيا حزب الله وسيد الشهداء والعصائب والنجباء، أصبحت مؤسسات اقتصادية تنافس القطاعين الحكومي والخاص، وتتفوق عليهما بقوة السلاح والنفوذ.
ونقلت مصادر صحفية عن عضو مجلس النواب السابق "مثال الآلوسي" قوله، إن "المليشيات وبسبب تواطؤ جهات حكومية عدة، تسعى إلى تقوية الماكنة المالية لها لتمويل مشاريعها في العراق وسورية و دول أخرى، وبالتالي فإن جمع المال من قبل هذه المليشيات ليس ملفاً اقتصادياً فحسب، بل هو ملف سياسي بحت يعتمده النظام الإيراني، ويجري نفس الأمر في لبنان".

انشئت بلا سند قانوني

ولم يعد من الغريب ملاحظة مظاهر الثراء الفاحش على زعماء الاحزاب والعناصر القيادية فيها، رغم حالة الفقر التي عرفوا بها قبل الاحتلال. وبحسب محافظ البصرة الأسبق "وائل عبد اللطيف"، فإن مكاتب الأحزاب التي تشكلت عام 2005 هي سبب تضخم ثروة السياسيين والأحزاب الكبيرة. وأكد عبد اللطيف في حديث صحفي، إن "المكاتب الاقتصادية غير قانونية، لكنها تعطي لكل كتلة سياسية نسبة تتراوح بين 5-10% عن كل مقاولة"، وإن هناك "شخصيات محورية في كل وزارة تساعد الوزير على عقد صفقات على الورق مقابل عمولات".

من ناحيته قال الكاتب "صلاح الزبيدي"، إن هذه المكاتب "ساهمت في أحد أكبر عمليات غسيل الاموال في العالم، عندما استخدمت نفوذها السياسي لنقل عشرات المليارات من الدولارات الخاصة بالأحزاب إلى الخارج، لتوضع في حسابات خاصة أو لشراء عقارات وممتلكات متنوعة في اوروبا ودول الجوار".

وقدرت لجنة النزاهة في مجلس النواب حجم الأموال المهربه إلى خارج العراق ب(238) مليار دولار، أي ما يعادل موازنة البلاد لأكثر من عامين، مضيفة أن أغلب الأموال المهربة تأتي من مشاريع وعقود الوزارات والمحافظات.

وبحسب محللين سياسيين، فإن بقاء المكاتب الاقتصادية يُبقي موارد البلد رهينةً بيد الأحزاب الممسكة بالسلطة، ويبدد الآمال بالتعافي الاقتصادي، لكنهم وفي نفس الوقت يرون أن إلغاء هذه المكاتب أصبح مستحيلاً لتشعب ارتباطاتها الداخلية والخارجية، خاصة بعد تراجع السلطات عن وعود قطعتها على نفسها أكثر من مرة بإيقاف عملها، مؤكدين أن زوالها مرتبط بزوال النظام وأحزابه وميليشياته التي أنشأت هذه المكاتب لتعتاش عليها، كسرطان ينمو في جسد الاقتصاد العراقي.

1 يناير، 2020
#العراق_في_عام_2020.. ما هي أمنيات العراقيين؟
15 فبراير، 2021
بعد أن تاجرت بكل شيء ..أطراف متنفذة متهمة بالضلوع في المتاجرة بالبشر 
18 يوليو، 2017
كارثة دمار الموصل تتكشف بانجلاء غبار القصف العشوائي والمعارك
7 يونيو، 2018
مغردون ينددون بانفجار بغداد.. ماذا تفعل الميليشيات بهذا السلاح؟
30 يونيو، 2021
"ثورة العشرين.. حقائق مغيّبة".. مركز راسام ينظم ندوة في الذكرى 101 للثورة
22 مارس، 2019
عراقيون غاضبون: #الفساد_يقتل_أبناء_الموصل
22 ديسمبر، 2022
مع مستويات الفقر القياسية.. رواتب المناصب العليا تستهلك موازنة الدولة
13 يناير، 2021
  إعلان العلا يغازل العراق وإيران قد تفقد مراكز قوتها في الخليج 
13 مارس، 2021
تظاهرات الناصرية تمتد إلى العديد من المحافظات وتنديد دولي بإجراءات الحكومة القمعية
4 مارس، 2022
آخر ابتكارات الميليشيات العراقية سرقة المواشي ونقل المخدرات باستخدام الطائرات المسيرة 
10 فبراير، 2019
مسلسل اغتيال الأدباء والناشطين بالعراق.. من يقف وراء ذلك؟
1 يوليو، 2019
ناشطون يدعون لتلبية مطالب #اعتصام_حملة_الشهادات_العليا
menu-circlecross-circle