تسبب نظام المحاصصة الطائفية والعرقية في العراق، بالفساد المالي والاداري، وانعدام التخطيط، وتعيين الفاسدين وغير المختصين في المناصب العليا، فضاعت عائدات النفط وغيرها من الموارد بين الاقليم والمركز، لتصل مستويات الفقر بين طبقات واسعة من العراقيين، إلى أدنى مستوياتها. وتقدر المصادر عدد الفقراء في العراق بأكثر من 11 مليون إنسان، أي ما يعادل ربع السكان، أما الأرقام التي نشرها البنك الدولي، فتؤكد أن أكثر من 13 مليون عراقي، يحصلون على أقل من دولارين يومياً. وبحسب تصريح صحفي للناطق الرسمي باسم وزارة التخطيط "عبد الزهرة الهنداوي"، فإن معدلات الفقر تجاوزت نصف السكان في بعض المحافظات، حيث وصلت في محافظة المثنى إلى 52%، فيما ارتفعت هذه النسبة في المحافظات التي شهدت قتالاً مع تنظيم الدولة "داعش" إلى 41%.
وفي ظل هذه الظروف التي تستدعي ترشيد النفقات، أحصت مصادر صحفية عدد المناصب العليا في العراق بما يزيد عن 6 آلاف منصب، بين وزير ونائب وزير ووكيل وزير ومدير عام ومن هم بدرجتهم، إضافة للرئاسات الثلاث ومكاتبها، وجيوش الموظفين العاملين بها. وبلغ عدد الدرجات الوظيفية لمنصبي مدير عام ووكيل وزير في موازنة عام 2021 للفئة (أ) 511 درجة، وللفئة (ب) 5030 درجة، وهي أرقام لم تتحقق حتى في بريطانيا والولايات المتحدة، لكن الأغرب من ذلك، أن إقليم كردستان الذي لا تزيد عدد الدوائر فيه عن 100 دائرة، لديه 696 منصب مدير عام.
توزيع المناصب
ووفق ماجرت عليه حكومات مابعد الاحتلال، فإن أصحاب الدرجة (أ) يجري تعيينهم بالتصويت على أسمائهم من قبل أعضاء مجلس النواب، وبمعنى آخر، فإن مناصب الدرجة (أ) يجري تقاسمها بين الاحزاب، وتشمل هذه المناصب السفراء ووكلاء الوزارات والمستشارين لدى الرئاسات الثلاث، فيما تشمل الدرجة العليا (ب) المهمات الإشرافية العليا والمدراء العامين، وهي الأخرى وظائف محتكرة من قبل الأحزاب بعيداً عن التخصصات العلمية والمؤهلات الدراسية الضرورية لشغل هذه المناصب، فيما تتلاشى أحلام الخريجين وحملة الشهادات العليا بالحصول على وظيفة متواضعة. ويقول "معتز الوائلي" الحاصل على شهادة الدكتوراه في الإحصاء، لموقع ألكتروني أجرى تحقيقاً حول الموضوع، إن الأمر يدخل في باب "الهدر المالي وإرضاء الكتل السياسية التي باتت تتحكم بكل شيء في البلاد". ولا يرى الوائلي، الذي لم يحصل على عمل يناسب شهادته نهاية لهذا الوضع، إلا باستمرار التظاهرات الشعبية لإنهاء الفساد ونيل الشعب حقوقه.
واستنكر العديد من الناشطين في تعليقات لهم على مواقع التواصل، اعتماد الانتماء الحزبي أو العرقي في توزيع المناصب، مطالبين باعتماد المؤهل المطلوب لشغلها. وقال الناشط "عمر عماد" في منشور له، "إن الطريقة الوحيدة التي تجعلهم يتركون المناصب لذوي الاختصاص هي تخفيض رواتب الدرجات الخاصة والمراتب العليا"، مضيفاً "انهم لا يتنافسون على الوظائف من أجل خدمة الناس، بل من أجل الرواتب الفلكية".
رواتب الرئاسات الثلاث
وتشير الأرقام إلى أن الرئاسات الثلاث تستحوذ على مايزيد عن 350 مليار دينار سنوياً، وهذا الرقم يمثل 0.5% من موازنة الدولة. وأظهرت إحصائية منشورة، أن هذه الأرقام تشكل 20 ضعفاً، اذا ما قورنت بحصة الفرد من الموازنة. وباستثناء لواء حماية المنطقة الخضراء، فإن مخصصات الرئاسات الثلاث لا تشمل رواتب موظفي الهيئات المرتبطة بها. وأكدت الاحصائية أن هناك 5750 موظفاً لدى الرئاسات الثلاث، يمثلون في الغالب عوائل كبار المسؤولين والمقربين منهم.
إثراء الطبقة السياسية لا يقتصر على الرواتب والمخصصات، بل أيضاً من خلال استغلال موارد الدولة، واستغلال المراكز الحكومية للحصول على عمولات تتجاوز ملايين الدولارات شهرياً
من جهة أخرى يستهلك أعضاء مجلس النواب حصة كبيرة من موازنة الدولة، وبحسب الخبير الاقتصادي "نبيل المرسومي"، فإن راتب عضو مجلس النواب يبلغ (4) ملايين دينار، يضاف لها مخصصات منصب (2) مليون دينار، ومخصصات سكن (3) ملايين دينار". ويصل ما يتقاضاه عضو مجلس النواب شهرياً بين (10– 13) مليون دينار، حيث خصص لكل نائب 3 سيارات و15 فرداً من عناصر الحماية، براتب قدره مليون دينار لكل عنصر تصرف للنائب، الذي قد يكتفي بعنصر أو اثنين من أفراد الحماية، ويحتفظ بالباقي لنفسه. وأضاف المرسومي أن ال 10 ملايين دينار التي يتقاضاها البرلماني الحاصل على شهادة الإعدادية، تعادل تقريباً رواتب 20 موظفاً يحمل شهادة البكالوريوس.
المنافع الاجتماعية
وبحسب مصادر صحفية، فإن رئيس الجمهورية يتقاضى راتباً قدره 50 مليون دينار شهرياً، يضاف لها 40 مليوناً مخصصات ضيافة، فيما يبلغ راتب كل من رئيس الوزراء ونوابه 40 مليون دينار، و 20 مليوناً مخصصات ضيافة، أما رئيس مجلس النواب فيتقاضى 35 مليون دينار، إضافة لمخصصات الضيافة، البالغة 20 مليون دينار. ويتقاضى كل وزير مبلغ 20 مليون دينار كراتب، أما مخصصات الضيافة، فتبلغ 15 مليون دينار.وهناك أيضاً مخصصات علاج وتأجير الطائرات الخاصة للرئاسات الثلاث، في حين لا يتجاوز متوسط الراتب الاسمي لخريج الجامعة بحسب سلم الرواتب الجديد المقترح 500 ألف دينار.
وأوضح متابعون للشأن السياسي والاقتصادي في العراق، إن إثراء الطبقة السياسية لا يقتصر على الرواتب والمخصصات، وهي أرقام ثبتها المحتل الأمريكي عند تأسيسه للنظام السياسي بعد 2003، وجعلها من بين أعلى الرواتب في العالم، بل أيضاً من "استغلال موارد الدولة، من خلال المراكز الحكومية للحصول على عمولات تتجاوز ملايين الدولارات شهرياً، وقد تصل الأرقام إلى مليارات الدولارات". وبحسب الكاتب المغترب د."مصطفى الأمارة"، فإن رواتب قادة الحكم وأعضاء مجلس النواب ليست "حدثاً محلياً"، بل إنها مقررة مسبقاً، ومصممة لتكون مرتفعة جداً، لكي يسهل شراء الذمم والضمائر.
وكان رئيس الوزراء الاسبق "عادل عبد المهدي" قد اعترف في مقابلة تلفزيونية، بتقاضيه مايقرب من مليون دولار شهرياً "لإنفاقها على الفقراء والمحتاجين" حسب قوله، فضلاً عن مبالغ مقاربة يتقاضاها مسؤولون آخرون، تحت مسمى "منافع اجتماعية"