مع حلول فصل الصيف وتصاعد درجات الحرارة، جددت مراصد بيئية تحذيراتها من تداعيات نقص وتلوث المياه على الثروة السمكية في العراق، بعد ظهور مؤشرات خطيرة في العديد من البحيرات والأهوار، إضافة إلى نهري دجلة والفرات وشط العرب.
وقال مرصد "العراق الأخضر" في آخر بياناته، إنه ذكّر المعنيين في بيانات سابقة، بأن "صيف العراق المقبل سيهلك الثروة المائية والحيوانية للبلاد"، مؤكداً أن السلطات لا تريد التفاوض مع دول الجوار المتشاطئة بهذا الخصوص. واستشهد المرصد بتفاقم الأزمة بقضاء المجر في محافظة ميسان، حيث نفقت ملايين الأسماك نتيجة قلة المياه الناجمة عن تحكم إيران الكامل بكمية المياه القادمة من الأنهار المشتركة بين البلدين.
وبحسب المرصد فإن تداعيات الجفاف لن تقف عند مناطق الجنوب مثل الأهوار والأنهر الفرعية، بل ستمتد إلى "أعالي نهري دجلة والفرات في المناطق الوسطى والشمالية".
وفي أيار/مايو الماضي، أحاطت ممثلة الأمين العام للأمم المتحدة في العراق "جينين بلاسخارت" مجلس الأمن، بأن التقديرات تشير إلى أن العراق لن يستطيع تلبية أكثر من 15% من احتياجاته من المياه بحلول عام 2035، مؤكدة أن نسبة التلوث في أنهار العراق تبلغ 90%، فيما "يعاني 7 ملايين شخص حالياً من انخفاض إمكانية الحصول على المياه".
تقصي الحقائق
ولا يحتاج نفوق الأسماك للجان تقصي حقائق، فمن البديهي أن الماء ضروري للسمك من أجل الحياة، وأن المياه تغيرت مجاريها من المصدر منذ سنوات ولم تعد متاحة بالكمية التي تكفي لتربية الاسماك، ناهيك عن الاستخدامات الأساسية للشرب والسقي وغيرها، لكن يبدو أن وزارة الزراعة لها رأي آخر في الموضوع، فقد أعلن مسؤول في الوزارة عن تشكيل لجنة للتحقيق في أسباب نفوق الأسماك بقضاء المجر في محافظة ميسان. واكد مدير عام دائرة البيطرة في وزارة الزراعة "ثامر حبيب" في الثاني من تموز/يوليو الجاري، عن "تشكيل لجنة لتقصي الحقائق من المستشفى البيطري في العمارة"، على أن "يتم إعلان النتائج قريبا"، نافياً في الوقت ذاته وجود "أية حالة مرضية أدت إلى نفوق الأسماك"، ومعترفاً بأن قلة المياه وارتفاع نسبة الملوحة هي الأسباب الأولية لنفوق الأسماك في القضاء.
وغير بعيد عن قضاء المجر، حملت الأنباء الواردة من قضاء الميمونه في المحافظة ذاتها نبأ جفاف "هور عودة" بالكامل، مُلحقاً أضراراً بالغة بالتجمعات السكانية حول الهور، والتي تعتاش بشكل رئيس على صيد الأسماك. وأكدت مديرية بيئة ميسان بدورها أن سبب جفاف "هور عودة" يعود إلى تناقص الإطلاقات المائية القادمة التي تغذي الأهوار الغربية والوسطى، خاصة من نهري "العريض" و"البتيرة"، الأمر الذي أثر بشكل كبير على الثروة السمكية، وقضى على التنوع الإحيائي في المنطقة.
وبحسب مدير بيئة ميسان "باسم محمد"، فإن الفرق البيئية في المحافظة سجلت خلال السنوات الأربع الماضية انحسار الإطلاقات المائية في الهور، مما سبب جفافاً تدريجياً حتى جف الآن بشكل تام.
الموسم الخامس
وبعد الإعلان عن جفاف هور عودة بإسبوع، وجهت وزارة البيئة مناشدةً إلى وزارة الموارد المائية بزيادة الإطلاقات المائية إلى الأهوار لا سيما هور الحويزة الواقع بين محافظتي البصرة وميسان، مؤكدة أن "هذا الهور يعاني من كارثة بيئية بسبب الجفاف".
وشكا مربو أسماك لمواقع صحفية، من أن السلطات وبدلاً من استحصال حصة البلاد من المياه من دول الجوار، تعمد لإزالة أحواض تربية الأسماك، الأمر الذي قد يخفض إنتاجها إلى النصف، ويرفع أسعارها إلى الضعف، وهذا يصب فقط في مصلحة البعض من الذين يتوقع المربون استثناء أحواضهم من عمليات الإزالة، بتأثير المحسوبية.
وبحسب جمعية مربي الأسماك، فإنّ وزارة الموارد المائية حددت الأول من تموز/يوليو الجاري كآخر موعد لهدم الأحواض على الأنهار، التي وصفتها بأنها غير شرعية.
وكان مدير دائرة الثروة الحيوانية "وليد محمد"، قد اخبر مواقع صحفية بأن "إزالة أحواض تربية الأسماك المتجاوزة جزء من خطة الوزارة للتعامل مع أزمة الجفاف، وسيطال فقط المتجاوزين"، لكنه عقب بالقول إن الأحواض المجازة أيضاً قد لا تحصل على المياه بحلول نهاية العام الجاري.
ولا يختلف مصير هور الحويزة عن أغلب الأنهر والمسطحات المائية في عموم البلاد، التي تعيش خامس موسم جفاف دون خطوات عملية واضحة من جانب السلطات لحل الازمة، غير "التخلص من أحواض تربية الاسماك التي تستهلك كميات كبيرة من المياه"، و"توزيع الضرر على المتضررين"، بحسب مصدر في وزارة الموارد المائية.
خطة "توزيع الضرر"
وعلق مدير عام المركز الوطني لإدارة الموارد المائية في الوزارة "حاتم حميد" على شح المياه في أهوار ذي قار بقوله، إنه "لا توجد أي قلة في الإطلاقات المائية باتجاه محافظة ذي قار"، بل أنّ "هنالك شحة بالإيرادات المائية، وتقنين بالإطلاقات، وتوزيع بالضرر لكافة الاستخدامات المائية، بما فيها مناطق الأهوار وحسب الخطة". وأضاف حميد سبباً آخر لجفاف الأهوار، عندما قال إنّ "التبخر في منطقة الأهوار عال جدًا، وهنالك انخفاض في مناسيب ومساحات الإغمار في مناطق الأهوار نتيحة للتبخر الآني في فصل الصيف، كما أن هناك انخفاضاً تدريجياً نتيجة هذا التبخر ومقداره كبير جدًا، ولا يمكن تعويضه من الخزين المائي المتاح"، حسب تعبيره.
وعلق ناشطون على تبريرات الوزارة المتعلقة بأسباب الجفاف، بأنها قد تتطرق لكل المبررات المقبولة وغير المقبولة، باستثناء السبب الحقيقي الرئيس، وهو سياسة إيران المائية تجاه العراق، المتمثلة باقامة السدود وتحويل مجاري الأنهار القادمة إلى العراق، خلافاً للاتفاقات الثنائية، وخلافاً للقوانين الدولية التي تحكم العلاقة بين الدول المتشاطئة.