الطبخ على نار هادئة .. إيران تجني ثمار تغلغلها شمال العراق

وكالة يقين
16 أيلول، 2023

بدعم من الاتحاد السوفييتي السابق ومساندة قوات الملا "مصطفى البارزني"، أسس الزعيم الكردي "قاضي محمد" دولة كردية شمال غرب إيران عام 1946 أطلق عليها "جمهورية مهاباد". ولم تدم هذه الجمهورية أكثر من 11 شهراً بعد أن تخلى السوفييت عن القاضي محمد، لتعدمه السلطات الإيرانية بساحة الاستقلال في مهاباد، لكن الملا "مصطفى البارزني" عاد من جديد إلى أحضان السوفييت، بعد وعود قطعوها له بإنشاء دولة كردية شمال العراق، إذا ساعدهم بإسقاط النظام الملكي فيه من خلال القيام بتمرد مسلح. 

ويرى متابعون للشأن الكردي، أن من أكبر الأخطاء التي ارتكبتها الأحزاب الكردية، ركونها إلى قوى خارجية جعلتها تلهث وراء حلم لا تسمح التوازنات الدولية بتحقيقه، كما لم تسمح من قبل بجمهورية مهاباد، فاستخدمهم الجميع لمصالحهم لا لمصلحة الكرد، بدءاً بالاتحاد السوفيتي السابق، فالكيان الصهيوني، ثم الولايات المتحدة وإيران الشاه، وأخيراً إيران الخميني.

ومع تغير الأنظمة في العراق بقي التمرد الكردي مستعراً، بتحريض المستفيدين من الوضع القلق شمال العراق خاصة إيران، وراح ضحية الحروب في الشمال الكثير من أبناء العراق عرباً وكرداً، حتى جاءت اتفاقية 1975 بين البلدين لتنهي حالة التمرد. وتضمنت الاتفاقية "قيام كل من البلدين بإعادة الأمن والثقة المتبادلة على طول حدودهما المشتركة، والالتزام بإجراء رقابة مشددة وفعالة على هذه الحدود، من أجل وضع حد نهائي لكل التسللات ذات الطابع التخريبي من حيث أتت"، وهكذا نعم كل من الجندي في الجيش العراقي ومقاتل البيشمركة والأهالي المدنيون بسلام، لكن إلى حين.

الخميني يتولى الأمر 
ولم يدم هذا السلام أكثر من 5 سنوات، حيث سقط نظام الشاه وعاد التمرد إلى شمال العراق مدعوماً هذه المرة بنظام الخميني، بآليات وطرق جديدة لم تخطر على بال الشاه، ولم تفكر بها حتى حكومات الكيان الصهيوني، التي لم يخف زعماء كرد ركونهم إليها في الصراعات السابقة.

وانتبه ساسة ومعممو جمهورية الخميني التي تأسست عام 1979، إلى أهمية ورقة الكرد في زعزعة استقرار العراق، خاصة مع اندلاع الحرب بين البلدين بعد وصول الخميني إلى السلطة بتسعة عشر شهراً. ومنذ ذلك التاريخ حتى الغزو الأمريكي، عملت إيران على تقويض السلم في المنطقة باستخدام الأحزاب الكردية ذاتها، وكان من بين نتائج التدخل الايراني، نشوب حرب كردية-كردية في تسعينات القرن الماضي، أوقعت ما بين 3000 إلى 5000 ضحية من المدنيين والمقاتلين.
ومثّل الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003، فرصة كبيرة لإيران للتوغل شمال العراق، حيث لم تعد الاتصالات تجرى عن طريق الجبال والطرق الوعرة الفاصلة بين البلدين، بعد أن "طورت إيران آليات مختلفة لتتمكن من توسيع هذا النفوذ داخل أراضي الإقليم وخارجه"، وفق ما جاء في تحليل موجز للكاتب الكردي " نورس جاف". وجاء في التحليل إن طهران تستخدم الكثير من أساليب القوة الناعمة لتحقيق هذه الغاية، فكما تدعم أتباعها في بقية أنحاء البلاد، تدعم أيضاً الأحزاب السياسية الكردية العراقية، وبالتحديد حزب الاتحاد الوطني الكردستاني، مما منح إيران على مر السنين، موطئ قدم رئيسي في المشهد السياسي في العراق.

العامل الطائفي
ورغم أن الطائفة الشيعية لا تمثل رقماً يذكر في المجتمع الكردي العراقي، إلا أن أساليب حكام إيران ومنها بناء واستغلال المزارات وتنظيم مواكب الزوار، استقطبت عدداً من الأكراد. وبحسب تحليل " نورس جاف"، فإن قبر "محمد الكسنزاني" رئيس الطائفة الكسنزانية الذي توفي عام 2020 في الولايات المتحدة الأمريكية ودفن في محافظة السليمانية، أصبح "مزاراً لأتباعه، ومن بينهم ما يُقدّر بآلاف الأشخاص من إيران، إلى جانب الزوار المحليين والأجانب، ولا شك في أن مشاهد تعبد هؤلاء الزوار تذكّر بالأماكن المقدسة الشيعية الأخرى" بحسب الكاتب.

ونجحت جهود إيرانية دعمتها الأحزاب الحاكمة في بغداد، بالتأثير على الأحزاب الكردية لفتح طرق عبر المحافظات الشمالية لمرور الزوار إلى النجف وكربلاء. ومنذ عام 2021 سمح للإيرانيين والأفغان بدخول العراق من معبر باشماخ الحدودي بلا تأشيرة، رغم عدم وجود علاقات دبلوماسية مع أفغانستان، حيث تترك هذه المواكب تأثيرها على طول طريق الزوار نحو الجنوب. ويؤكد التحليل دخول أكثر من مئة ألف زائر قادم من إيران، عبر منفذ حاجي عمران الحدودي في شهر محرم الماضي، حيث يقيم الزوار في ذهابهم وإيابهم بضع ليال في حديقة سامي عبد الرحمن في أربيل.

من جانب آخر فشلت ضغوط مارسها الجانب الإيراني لبناء حسينية في أربيل تقام فيها طقوس عاشوراء المعروفة، بسبب معارضة الأهالي وأئمة وخطباء المحافظة.

استقطاب الطلبة الكرد
ويشكل جانب التعليم الجامعي منفذاً مهماً آخر، استطاعت إيران من خلاله الترويج لسياساتها، وبناء جيل جديد من الشباب الأكراد العراقيين، المتأثرين بأفكارها. ويقصد العديد من الطلاب إيران للدراسة في جامعاتها، لانخفاض تكاليف الدراسات العليا والجامعية الأولية، مقارنة بالجامعات العراقية. ففي حين يدفع الطالب 5 آلاف دولار سنوياً كرسوم دراسية في الجامعات العراقية الخاصة، يكلفه نيل شهادة الماجستير والدكتوراه 1000-1500 دولار. وتقبل الجامعات الإيرانية معدلات منخفضة، كما تمنح شهادة تعترف بها وزارة التعليم العالي العراقية. 

ولم يكتف الإيرانيون بذلك، بل افتتحوا فروعاً لجامعاتهم في العراق، فبعد إنشائها في سوريا ودول أخرى، يجري الحديث عن افتتاح فروع لجامعة تبريز في الشمال العراقي ومحافظات عراقية أخرى. ويرى العراقيون أن توسيع منافذ التعليم الإيراني في بلادهم، محاولة لنشر قيم وبث أفكار غريبة على المجتمع العراقي، بما في ذلك إقليم كردستان.

ووفقاً لتحليل الكاتب الكردي الذي نشره موقع (The Washington Institute for Near East Policy)، فإن هناك دلائل على أن القوة الناعمة الإيرانية شمال العراق ستستمر في النمو في الحياة السياسية والدينية والتعليمية، معزِّزة النفوذ الإيراني فيها، بالرغم من أن تأثيرات مثل هذه الجهود تكون بطيئة في العادة.

3 أبريل، 2023
العراق .. قصة الإنترنت الوهمي والأجور الخيالية
1 سبتمبر، 2023
انتقادات للتوجه نحو غاز تركمانستان: هدر للمال وإطالة أمد أزمة الكهرباء
8 سبتمبر، 2018
الأمية بين الشباب في العراق.. أسبابها ونتائجها
25 نوفمبر، 2023
لا أمان في العراق .. الأطفال يتعرضون للعنف وانتهاكات صارخة تضعهم في خطر
10 يونيو، 2019
تصنيف عالمي: العراق أسوأ دولة في سرعة الإنترنت.. ما الأسباب؟
23 نوفمبر، 2017
#العلوم_تنتفض_ضد_الظلم.. خريجو كليات عراقية ينتفضون ضد البطالة
6 مايو، 2017
كيف استغلت الكتل السياسية "العفو العام" في العراق؟
27 مايو، 2022
فرص تنفيذ قرار المحكمة الإتحادية حول نفط الإقليم بين ضعف بغداد وتعنت أربيل
23 أكتوبر، 2016
هجمات كركوك تلخص المشهد ما بين هشاشة أمنية كبيرة وردود فعل بطابع طائفي وقومي
8 مايو، 2016
مخالفة الأسياد في طهران تجعل مقتدى الصدر تحت إقامة جبرية في قم الإيرانية
16 مارس، 2022
 "عاصفة الصحراء" جريمة حرب ارتكبتها قوات التحالف واستثمرتها إيران
6 أكتوبر، 2022
سومو تبيع نفطاً مغشوشاً .. والقضاء يلاحق وزير النفط بعشرات التهم
menu-circlecross-circle