رغم كونها غير خاضعة للفحص، أو منتهية الصلاحية، أو مخزنة بظروف غير صحية، وقد تعطي نتائج عكسية على صحة المريض، وسعرها مرتفع جداً، لكن الأدوية المهربة أصبحت الملاذ الوحيد للمرضى في العراق، لعدم توفرها في المستشفيات، خاصة لمرضى قد يكون الخيار الآخر لهم هو الموت.
وشكا مواطنون من أن الامر لا يقتصر على الأدوية المهربة عبر الحدود، بل إن الأدوية المخصصة للمستشفيات تتسرب بدورها إلى بعض الصيدليات لتباع بسعر مضاعف. وأجرى فريق صحفي تحقيقاً استطلاعياً للوقوف على حقيقة الأمر، حيث قام بجولة في بعض الصيدليات، وحصل على معلومات أكدت هذه المزاعم، فيما قال صاحب صيدلية إنه يستطيع توفير أي دواء بالكمية المطلوبة.
وحصل الفريق على معلومات من صيدلي آخر اشترط عدم ذكر اسمه، مفادها أن هناك بعض الصيادلة يتعاملون مع عصابات تهريب الأدوية، التي تدخل البلاد بطرق قانونية كمساعدات خارجية عبر الحدود، مؤكداً أن جهات متنفّذة في وزارة الصحة ونقابة الصيادلة على علم بالأمر .
وألمح الصيدلي إلى طرق أخرى مختلفه يتبعها بعض موظفي المستشفيات الفاسدين لتحقيق أرباح، كتزوير وصولات تشير لنفاد الدواء، كذلك فإن كميات أخرى تخرج من مستودعات وزارة الصحة أو المستشفيات بقصد الإتلاف لانتهاء الصلاحية، لتصل في نهاية المطاف إلى الصيدليات، وقد تمر بعدة حلقات لتصل إلى المستهلك بأضعاف سعرها.
وبحث الفريق عن تفسير لهذه الظاهرة لدى مسؤولين في وزارة الصحة، لكنه لم يحصل على اجوبة شافية، مما دفعه لمخاطبة المتحدث الرسمي باسم الوزارة الدكتور "سيف البدر" عن طريق تطبيق الواتس أب، لكن البدر هاجم الفريق الصحفي بقوله "هذا تلفيق وتهجّم وتشويه لسمعة المؤسسة الحكومية، ما هو دليلكم على هذه الاتهامات؟ وما هي غاياتكم؟".
ومن جديد حمل الفريق الصحفي أسئلته وتوجه إلى مجلس النواب، حيث أخبره النائب "باسم خشان"، إن تهريب الأدوية "يبدأ من مستودعات وشركات استيراد الأدوية، التي تستورد عبر المنافذ الحدودية كميات هائلة سنوياً، لتباع للمرضى بأسعار مبالغ فيها".
وأكد خشان إن كميات مهربة ضبطت في محافظة المثنى، وألزمت اللجنة المشكلة لفحصها المستودعات بعدم بيعها، لكن السلطات المحلية في المحافظة سمحت لهم بذلك. ولفت النائب إلى أن الأدوية بيعت بالفعل، رغم صدور أمر بإتلافها.
وبحسب النائب، فإن الممثل القانوني لدائرة صحة المثنى طلب التنازل عن القضية عند وصولها إلى المحكمة، متذرعاً بأنها "تتعلّق بالقطاع الخاص، ولا ضرر منها على المال العام". ووصف النائب المذكور الحادث بأنه قضية فساد كبيرة، حيث صوّر الممثل القانوني لصحة المحافظة الأمر، وكأن الوزارة غير مسؤولة عن مراقبة مثل هذه الجرائم. وأشار خشّان في حديثه للفريق الصحفي، إلى أن هناك شبكات كبيرة وشخصيات نافذة، تقف وراء تهريب الأدوية في العراق.
وتمر علبة الدواء في طريقها الطويل من الحدود إلى يد المريض بالعديد من المحطات، حيث تستخدم شبكات التهريب آليات متعددة، شرح رئيس هيئة المنافذ الحدودية "عمر الوائلي" بعضها.
وقال الوائلي، إن احدى هذه الطرق تتم بوضع الأدوية داخل حاوية تضم مواد مسموح باستيرادها بحيث لا يمكن لموظف المنافذ رؤيتها، وقد مرت بعض هذه الشحنات بالفعل، في حين كشفت أجهزة الرقابة شحنات أخرى.
وهناك طريقة أخرى تتمثل بتغيير وصف البضاعة، أما الطريقة الثالثة، فتتم باستغلال طلبات الإعفاء لأدوية من المفترض أن تصل إلى النازحين، أو لدعم وزارة الصحة، لكن هذه الطلبات تستخدم بطريقة غير قانونية، لتسلك طريقها هي الأخرى إلى الصيدليات.
وفي واحدة من عمليات التهريب، أعلنت هيئة المنافذ الحدودية عن ضبط مستلزمات طبية مخالفة لشروط وضوابط الاستيراد في منفذ ميناء أم قصر الشمالي في البصرة. وجاء في بيان المنافذ الحدودية ، إن "مديرية منفذ الميناء وبناء على المعلومات الواردة إلينا من مكتب جهاز المخابرات الوطني، تمكنت من ضبط حاوية حجم 40 قدماً تحتوي على مستلزمات طبية (كانولا وريدية، سرنجات طبية) مخالفة لشروط وضوابط الاستيراد معدة للتهريب".
وعلق الوائلي على الفساد في ملف الأدوية بقوله، إن هذا الملف أصبح في العراق مصدراً لطمع بعض الجهات وضعفاء النفوس، لأنه يحقق أرباحاً طائلة.
وأصبح سوق مريدي في مدينة الصدر شرق العاصمة بغداد وجهة لليائسين من الحصول على الأدوية اللازمة لأمراضهم، أو لغير القادرين على دفع ثمنها في الصيدليات، حيث توفر "بسطات" باعة الأدوية الذين افترشوا الأرصفة تحت الشمس، أي دواء بأي سعر، مع شرح واف لطريقة استخدامه من قبل البائع أو البائعة، التي لا علاقة لها بأي مهنة طبية.
ولا يقتصر هذا السوق على بيع الادوية المهربة ومنتهية الصلاحية، بل أيضاً الأدوية الممنوعة بأمر وزارة الصحة العراقية.
ومنذ الاحتلال، انتشرت في هذا السوق وفي أسواق أخرى مشابهة في بغداد والمحافظات، الوقفات والتجمعات الخاصة ببيع الأسلحة، كما يمكن الحصول منه على اي وثيقة رسمية مزورة، إضافة لانتشار بائعي الحبوب المخدرة، والأدوية الممنوعة ومنتهية الصلاحية، حيث ازدهرت هذه التجارة بسبب الانفلات الأمني والفساد الذي يعيشه العراق.