يستذكر العراقيون خلال هذه الأيام الذكرى الثانية بعد المائة لثورة العشرين التي سطر فيها أجدادهم أروع البطولات في مواجهة الاحتلال البريطاني.
وفي هذه المناسبة نظم مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية "راسام" ندوة في قاعة المركز بمدينة إسطنبول، اليوم الخميس والمصادف 30 يونيو/حزيران 2022، وجاءت الندوة بعنوان "القوة الاجتماعية وأثرها في ثورة العشرين".
أهمية تاريخية
وشهدت جلسة الندوة التي ترأسها الندوة الدكتور جاسم الدليمي، إلقاء ثلاثة أوراق بحثية تقرأ في أهمية ثورة العشرين التاريخية ودور القوة الاجتماعية، وذلك بحضور نخبة من الأكاديميين والباحثين والصحفيين.
وخلال افتتاحية الندوة قال الدكتور جاسم الدليمي إن ثورة العشرين صنعت مجدا وتاريخا عظيما خالدا للأجيال، مؤكدا بأنها ثورة عظيمة في تاريخ العراق، حيث أنها ثورة أنجزها الآباء والأجداد بوطنية عالية.
وأكد الدليمي على أهمية استثمار الدروس التي تستنبط من ثورة العشرين، للاستفادة منها في التصدي لكل عوامل الفساد والتخلف التي تنال من حضارة العراق العظيم ومن مجده الأصيل.
إثارة الروح الوطنية
وقدم الدكتور عدنان القطان ورقة بحثية بعنوان "دور المثقفين العراقيين في ثورة العشرين"، وقال: إن الثورة تمثل مرحلة انطلاق للحياة الفكرية والسياسية في العراق، والدور الثقافي فيها كان له أثر بارز في إثارة الروح الوطنية لدى الجماهير العراقية التي أعطت زخما كبيرا للثورة.
ولفت إلى أن الثورة حظيت الثورة باهتمام كبير من قبل العلماء والباحثين في العراق وخارجه، وتصدرت دراسات علمية كثيرة في جوانب عديدة، مؤكدا على أن الدور الثقافي كان له أثر بارز في إثارة الروح الوطنية لدى الجماهير العراقية التي أعطت زخما كبيرا للثورة.
وأضاف القطان، أن فئة المثقفين كانت تتواجد بشكل أساسي في مراكز المدن وخصوصا العاصمة بغداد، وكان بعض رجال الأحزاب السرية على اتصال وثيق بمناطق العراق، لاسيما المراكز الدينية، فنرى فئات مختلفة من المثقفين العراقيين لهم دور واضح في مقاومة الاحتلال.
وأكد على أن المثقفين كان لهم دور بالغ الأهمية في تحريك الجماهير من خلال نشاطاتهم وفعالياتهم داخل الشرائح الاجتماعية في مدن البلاد، ورغم اختلافاتهم لكن يجمعهم التحرر والاستقلال، كما كان للضباط والموظفين والمعلمين والمحامين والأطباء والطلاب كان لهم دور واسع ومهم في نمو الروح الوطنية بين العراقيين وحثهم على مقاومة الاحتلال البريطاني.
عشائر تقود الثورة
كما قدم الأستاذ حاتم الفلاحي الورقة البحثية الثانية في الندوة، والتي جاءت بعنوان "دور العشائر في ثورة العشرين"، وذكر فيها أهمية ثورة العشرين بأنها واحدة من أهم الثورات المسلحة في تاريخ العراق الحديث، حيث لعبت دورا كبيرا في مواجهة الاحتلال البريطاني، وساهمت في إجراء تغيرات مفصلية في واقع البلاد.
وأشار إلى أن مرحلة انتهاء الحرب العالمية الأولى وإعلان الثورة العربية الكبرى بقيادة الشريف حسين بن علي، قادت المنطقة إلى تغيرات كبيرة أدت إلى تقاسم المنطقة بين الدول الاستعمارية وعلى رأسها بريطانيا وفرنسا، والتي تحولت بعد ذلك قليلة إلى سلطة انتداب.
وأضاف الفلاحي، أن مرحلة الانتداب البريطاني شكلت مرحلة مفصلية من تاريخ العراق، والتي نتج عنها تظاهرات سلمية وأعقبها العمل على إثارة المشاعر الوطنية والثورية للتصدي للقوات البريطانية المحتلة، لافتا إلى تحول المناقب النبوية والمهرجانات والمنتديات الشعرية والخطابية إلى حفلات لتأجيج الروح الوطنية التي تلهب المشاعر الوطنية الحماسية والتي تثير النفوس.
وتابع الفلاحي: عمل العشائر العسكري دخل في مرحلة ترتيبات جديدة خصوصا مع دخول قيادات عسكرية على خط العمل المسلح مع العشائر، فبدأت الحملة من قبل الضباط العراقيين الوطنيين المتواجدين في مدينة دير الزور السورية، كما تشجعت باقي العشائر للمشاركة في مواجهة الاحتلال، مؤكدا بأن ثورة العشرين كانت عبارة عن تلاحم شعبي وجماهيري وعشائري من مختلف مناطق البلاد.
واختتم بالتأكيد على أن أحداث الثورة وتلاحم العشائر العراقية آنذاك يجعلنا نعيد قراءة التاريخ مجددا، فإن ما يجري الآن في العراق صورة غير صحيحة للوضع الطبيعي الذي نشأ عليه العراقيون منذ العشرينيات وحتى مجيء الاحتلال الأمريكي.
أثر العلماء في الثورة
إلى ذلك سلط مسؤول القسم السياسي في هيئة علماء المسلمين في العراق الدكتور مثنى حارث الضاري خلال ورقته البحثية على دور العلماء ومشاركتهم في ثورة العشرين وأثرهم فيها، وقال: إن أثر العلماء في ثورة العشرين كبير وكانت لهم مشاركة فعالة، حيث توثق المصادر التاريخية الدور الكبير لهم في إصدار الفتاوى لمواجهة الاحتلال البريطاني.
وبيّن بأن مشاركة العلماء وطلبة العلم الشرعي في ثورة العشرين كانت قيادة وفعلا، حيث وتوزعوا في مناطق الثورة على مستوى مدن العراق، لافتا إلى أن هذا الدور لم ينل الاهتمام الكافي لدى الباحثين والمؤرخين.
ولفت الضاري إلى أن الكثير من علماء الدين وأثرهم في ثورة العشرين لم يسلط الضوء عليهم، على الرغم من دورهم وتضحياتهم الكبيرة في إدامة زخم الثورة، مستشهدا بأسماء الكثير من العلماء الذين شاركوا وساندوا الثورة.
وتباع بالقول: أثر ثورة العشرين يظهر في البحث العلمي لمجرياتها، والتوثيق الصحيح لأحداثها، وباستذكارها سنويا، والسير على منهج ومبادئ قادة الثورة من علماء وشيوخ ومثقفين وعسكريين، واقتفاء آثارهم، وإحياء ثقافتهم.
ولفت الضاري إلى أن هناك عدد من العلماء منعوا قسرا من المشاركة في ثورة العشرين لاعتقالهم قبل الثورة واخفائهم إلى خارج العراق خوفا من تأثيرهم على الشارع العراقي، مثل الشيخ عطا الخطيب، والشيخ عبدالوهاب النائب وغيرهم من العلماء.
ختام الندوة
وشهدت الندوة قبل اختتامها مداخلات ومشاركات للحاضرين من الأكاديميين والإعلاميين، حيث تساءل بعضهم عن مصطلح المثقف والعالم، وأسباب الفصل بينهما خلال الأوراق البحثية للندوة.
وبيّن الدكتور القطان بأن مصطلح الفئة المثقفة الذي جاء في ورقته البحثية التي قدمها في الندوة، هي تشمل ضباط والموظفون، ورجال الدين، والكتاب والصحفيون ثم الخطباء والشعراء وغيرهم.
من جانبه تحدث الدكتور الضاري عن معنى المثقف في زمن ثورة العشرين والذي يختلف عن المفهوم المتعارف اليوم، وقال: كان يقصد بالمثقف هو كل متعلم، أي كل من درس وأكمل حتى لو المرحلة الابتدائية، إضافة إلى باقي العلماء مثل رجال الدين وغيرهم.