تطابقت تحليلات الكثير من الهيئات الشعبية والمنظمات الإنسانية داخل وخارج العراق على أن توقيت مصادقة رئيس النظام برهم صالح على أحكام الإعدام الأخيرة مباشرة بعد العملية الإجرامية الأخيرة بتفجير سوق شعبي في بغداد يهدف إلى تأجيج المشاعر الطائفية وتبرير عمليات الإعدام القائمة في سجون النظام بذريعة الإرهاب.
وقال بيان لهيئة علماء المسلمين في العراق "إن موجة الإعدامات الظالمة هذه التي تريد أحزاب السلطة وميليشياتها تنفيذها هي جزء من المخطط المُعد للتفجير الإجرامي الذي حدث في ساحة الطيران قبل أيام، عن طريق إثارة النعرات الطائفية، وتبرير المذابح الجماعية في السجون الحكومية بذريعة الإرهاب المُدَّعى". وأضاف البيان الذي حمل الرقم (1458) أن ذلك ظهر بوضوح " في تصريحات زعماء الأحزاب الطائفية وميليشياتها، التي اندفعت مباشرة عقب وقوع التفجير؛ إلى الدعوة للتحريض على استباحة دماء أبناء عدد من المحافظات".
إلى ذلك نشر المركز العراقي لتوثيق جرائم الحرب بياناً أشار فيه إلى نية الحكومة إعدام (340) معتقلاً في السجون الحكوميّة بدعوى "أن جميعهم قد أدينوا بالإرهاب، في حين أنّها لم تقم بأيّ نشر رسمي لأرقام وأسماء وهويات المعتقلين أو جرائمهم وفق أصول المحاكمات القانونية، فضلاً عن أنّها لم تقم بمشاركتها مع الجهات الدّوليّة الفاعلة ولا المنظمات الدولية حتى يتسنى لهم معرفة الحقيقة، مستهينة بأحكام القانون الدولي ومبادئ حقوق الإنسان". وجاء في البيان "إنّ المحاكمات التي تستند إلى قانون مكافحة الإرهاب، فيها الكثير من المغالطات والمخالفات المخلّة بقواعد القانون لأصول المحاكمات" ، وأن الأحزاب السياسية والميليشيات "تسعى إلى تحقيق مكاسب انتخابية خاصة، وبدواعٍ طائفية انتقامية" ومن أجل ذلك فهي "تقوم بمطالبة السلطات بتنفيذ حكم الإعدام بالمعتقلين" بحسب المركز.
أغلب المعتقلين كانوا قد وقّعوا على اعترافات باطلة إثر التعذيب الذي لحق بهم والتهديدات المستمرة لهم بملاحقة عوائلهم أو الانتقام منهم
حملة تحريض مبيتة
وأكدت هذه المنظمات أن هناك نية معدة مسبقاً للتحريض على التخلص من آلاف المعتقلين وأن أصحاب هذه النيات كانوا بحاجة لذريعة لكي يطلقوا حملات التحريض التي ضجت بها قنواتهم الفضائية ليلة الجريمة. وكانت كتلة صادقون التابعة لميليشيا العصائب قد جمعت تواقيع عدد من النواب للمطالبة بإعدام أكثر من سبعة آلاف معتقل في سجون الحكومة. وهدد أوس الخفاجي زعيم الميليشيا المسماة "أبو الفضل العباس" بإعدام جميع المعتقلين في السجون الحكومية إذا لم تقم السلطات بإعدامهم". وفي اليوم التالي لجريمة التفجير كتب النائب كاظم الصيادي محرضاً في تغريدة له على تويتر "اعدموا من في سجن الحوت فإنهم مهيأون لتفجير أجسادهم".
وبين المركز العراقي لتوثيق جرائم الحرب في بيانه إن "أغلب هؤلاء المعتقلين كانوا قد وقّعوا على اعترافات باطلة إثر التعذيب الذي لحق بهم والتهديدات المستمرة لهم بملاحقة عوائلهم أو الانتقام منهم، فضلاً عن وشاية المخبر السري والتهم الكيدية التي أصبحت على قدم وساق في العراق من أجل الابتزاز والحصول على المال" بحسب بيان المركز الذي طالب الأمم المتحدة والجهات الدولية المختصة "بفرض عقوبات على الحكومة العراقية لانتهاكها القانون الدولي، ووقف الإعدامات الجماعية التي أضرت بالنسيج المجتمعي العراقي بشكل كبير، ولاسيما أنّ هذه الإعدامات هي إجراءات انتقامية وطائفية وسياسية بحته لا تمت للقانون بأي شكل من الأشكال"
وكانت باحثة متخصصة في الشأن العراقي لدى منظمة "هيومن رايتس ووتش" قد قالت بأن مصادقة الرئاسة على هذه الأحكام تدل على أن "عقوبة الإعدام أداة سياسية" موضحة أن "القادة يستخدمون هذا النوع من الإعلانات ليقولوا للناس إنهم يعملون من أجلهم، من دون الإلتفات إلى حقيقة العيوب التي تشوب المحاكمات". وفق ما نقلته وكالة فرانس برس عن هذه الباحثة
إن دفعة الأحكام الأخيرة تبدو وكأنها جزء من خطة أكبر لإعدام جميع السجناء المحكوم عليهم بالإعدام
العراق في المرتبة الخامسة
وفي عام 2019 صنفت منظمة العفو الدولية العراق كخامس دولة في العالم من حيث عدد أحكام الإعدام المنفذة فيه. وقد ترفع مصادقة رئيس الجمهورية على إعدام أكثر من (340) متهمًا العراق إلى صدارة هذا التسلسل. وكان سجن الناصرية المركزي في محافظة ذي قار قد شهد إعدام 21 مسجوناً في تشرين الثاني / نوفمبر الماضي بتهم إدعت السلطات أنها تتعلق بالإرهاب مما دعا المنظمة الدولية لمطالبة رئيس النظام بـ"وضع حد لعقوبة الإعدام في البلاد". وأصدرت المنظمة بياناً بعد تنفيذ الحكم عبرت فيه عن قلقها من نية الحكومة القيام بتنفيذ مزيد من هذه الأحكام ، مؤكدة أنها تلقت "تقارير موثوقة تفيد بأن الحكومة العراقية تعتزم تنفيذ المزيد من عمليات الإعدام" . كما طالبت المفوضية السامية لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، السلطات العراقية بوقف تنفيذ هذه الأحكام بحق السجناء. وعبر خبراء حقوق الإنسان في الأمم المتحدة عن قلقهم من وجود خطط مسبقة لإعدام جميع المحكومين. وأصدر هؤلاء الخبراء بياناً مشتركاً قالوا فيه إن دفعة الأحكام الأخيرة "تبدو وكأنها جزء من خطة أكبر لإعدام جميع السجناء المحكوم عليهم بالإعدام". ودعا محققو الأمم المتحدة في مجال التعذيب والقتل التعسفي وحماية حقوق الإنسان السلطات في العراق إلى "احترام التزاماتها القانونية الدولية والوقف الفوري لخطط أخرى لإعدام السجناء".
محاولة للتملص
وإثر موجة السخط التي عمت الشارع العراقي مدعومة ببيانات الشجب من مختلف المنظمات والهيئات المحلية والدولية حاولت مصادر داخل رئاسة الجمهورية التملص من مسؤوليتها بإطلاق تبريرات وصفها مراقبون بأنها واهية ولا تستند إلى الحقيقة. فقد زعم مستشار رئيس الجمهورية اسماعيل الحديدي، أن لا صحة لوجود ضغوطات على الرئيس برهم صالح من أجل إصدار مراسيم أحكام الإعدام، وقال إن العدد المتداول لأحكام الإعدام يمثل مجموع ما صدر من هذه المراسيم خلال الدورات السابقة معترفاً بوجود "مطالبات من قبل مواطنين وشيوخ عشائر ومنظمات مجتمع مدني وجهات دولية بحكم علاقاتها مع العراق بتخفيف عقوبة الإعدام". وكان مصدر مسؤول في رئاسة الجمهورية قد أكد في وقت سابق المصادقة على اكثر من 340 حكم بالإعدام صدر من محاكم عراقية قال أنها اكتسبت الدرجة القطعية.