خصصت الأمم المتحدة يومين للاحتفاء بالأطفال تصادف أن يقع كلاها في شهر حزيران، الأول هو الرابع من حزيران، الذي اعتبرته يوماً دولياً لضحايا العدوان من الأطفال، والآخر هو اليوم العالمي لمكافحة عمل الأطفال، في الثاني عشر منه.
وتقام في مختلف أرجاء العالم فعاليات في هذين التاريخين لتدارس أوضاع هذه الشريحة، وتذكير الحكومات بواجبها في حمايتها، ففي الرابع من حزيران يُستذكر الأطفال الأبرياء، الذين "يعيشون رعباً حقيقياً في بقاع شتى مزقتها الحروب، لا يأمنون فيها على أنفسهم سواءً في بيوتهم أو في الشوارع أو في المدارس أو في المستشفيات"، بحسب موقع المنظمة الدولية. ويضيف الموقع، "إن الأطفال العالقين بين خطوط نيران الأطراف المتحاربة يواجهون مستويات صادمة من العنف، حيث يواجهون مخاطر القتل والإصابات والاختطاف والعنف الجنسي والهجمات على المرافق التعليمية والصحية، فضلاً عن الحرمان من المساعدة الإنسانية التي هم في أمس الحاجة إليها."
عراقياً أقام قسم حقوق الإنسان في هيئة علماء المسلمين في العراق ندوة خاصة بهذه المناسبة، بعنوان: (أطفال العراق استهداف مستمر ومستقبل مجهول)؛ سلط من خلالها الضوء على معاناة هذه الشريحة التي تفاقمت بعد احتلال البلاد سنة 2003م، وما تزال في تصاعد مستمر.
ضحايا العدوان
وقَدمت في الندوة، المختصةُ بعلم النفس الدكتور "إسراء الكاظمي"، ورقة بحثية بعنوان (الآثار النفسية والاجتماعية للحروب والنزاعات على أطفال العراق)، أكدت فيها إن أغلب أطفال العراق باتوا يعانون من الخوف المزمن والانهيارات العصبية بسبب الاحتلال وتداعياته، من حوادث التفجير وانهيار الوضع الامني، كما حرموا من التعليم والخدمات الأساسية كالرعاية الصحية والكهرباء والماء. وبينت الكاظمي في ورقتها، إن الظروف النفسية والصحية الرديئة التي نما فيها الاطفال العراقيون لها تأثير مباشر وذو تأثير طويل الأمد، إضاقة إلى الخوف من المستقبل وعدم الثقة بالبيئة والمحيط الاجتماعي، التي تُولّد حالة من عدم التوازن الانفعالي. أما ورقة مسؤول قسم حقوق الإنسان في الهيئة "أيمن العاني"، فقد تناولت واقع أطفال العراق خلال الأشهر الخمسة الماضية، وبين العاني في ورقته إن العراق بات من أسوأ البلدان بالنسبة للمرأة والطفل، حيث تشير الإحصاءات إلى أن 80% من الأطفال يعانون من العنف أو من تداعياته، وأن 9 آلاف طفل يقبعون في السجون، بينهم أكثر من ألف طفل تحت التاسعة، اعتقلوا وفق أدلّة واهية، وأنهم محتجزون في زنازين مكتظة، ويتعرضون للتعذيب بأساليب وحشية.
أطفال العراق بالأرقام
وتطرق العاني إلى معاناة شرائح أخرى من أبناء النازحين واليتامى والذين يمارسون أعمالاً لا تتناسب مع أعمارهم، مؤكداً أن 40% من مجموع أطفال العراق يحتاجون إلى مساعدات إنسانية عاجلة، وأن الملايين منهم يتعرضون لخطر القتل والخطف والتجنيد من قبل الميليشيات، وجرائم الإتجار بالبشر، والعنف الأسري، وغير ذلك.
وتضمنت الندوة محاور عديدة أخرى، تناولت الكوارث الإنسانية التي حلت بالعراق نتيجة الاحتلال، وما أعقبه من نزاعات مسلحة وصراعات سياسية طال تأثيرها كافة شرائح المجتمع، وفي مقدمتها الحلقة الأضعف: الأطفال. كما أكدت على الثمن الباهظ الذي يدفعونه بسبب تواصل أعمال العنف وانعدام بيئة آمنة للعيش، وشيوع القتل والاختطاف والعنف بمختلف أشكاله.
وتعرضت بعثة الأمم المتحدة في العراق "يونامي" لانتقادات عندما نشرت مؤخراً إحصائية تضمنت أرقاماً متواضعة جداً لضحايا العراق من الأطفال. وجاء في الإحصائية أن تسعة آلاف طفل قتلوا أو شوهوا في العراق منذ عام 2008، أي ما يعادل طفلاً واحداً يومياً، في حين أن ورقة قسم حقوق الإنسان في الندوة آنفة الذكر، أشارت إلى أن عدد القابعين في السجون لوحدهم قد تجاوز 9 آلاف طفل. وانتقدت تقارير محلية "تواضع" إحصائية البعثة الأممية في العراق، كما نقلت عن منظمات دولية وعراقية قولها، إن ما أعلنته “يونامي” لايمثل حتى ربع الحقيقة، لأن هناك أعداداً أخرى ممن غيبوا قسراً من قبل الميليشيات الطائفية، ربما تجاهلت "يونامي" ذكرهم.
عمالة الأطفال في العراق
من جهة أخرى أكدت المديرة التنفيذية لمنظمة اليونيسيف "كاثرين راسل"، إن "التعرض للنزاع له آثار كارثية على حياة الأطفال، ونحن نعلم ما ينبغي فعله لحمايتهم من الحرب، لكن العالم لا يفعل ما يكفي، وعلينا جميعاً ضمان ألا يدفع الأطفال ثمن حروب البالغين، ولا بد لنا من اتخاذ خطوات جريئة وملموسة لتحسين حماية الشريحة الأضعف على مستوى العالم".
من ناحيتها أكدت ممثلة المنظمة في العراق، "شيما سين غوبتا" على الحاجة إلى "إعادة دمج الأطفال في العراق بعد سنوات عديدة من الصراعات، ومنهم العائدون من شمال شرق سوريا، والمطلق سراحهم من الحبس، والأطفال الذين يعتقد أنهم ينتمون إلى الجماعات المسلحة، وغيرهم".
ولا تقل أوضاع بقية أطفال العراق سوءاً، فمن ينجو منهم من آثار الحرب المدمرة، يجد نفسه خارج أسوار المدارس، مضطراً للعمل لأسباب عديدة. وبمناسبة اليوم العالمي لمكافحة عمل الأطفال تحدث موقع هيئة علماء المسلمين في العراق عن المخاطر المترتبة على ذلك، مؤكداً على آثارها طويلة المدى على صحتهم العقلية والجسدية، بسبب مزاولتهم أعمالاً لا تتناسب مع أعمارهم. وتطرق الموقع إلى أسباب هذه الظاهرة، مؤكداً أنها تفاقمت بسبب بطء انتعاش الوضع الاقتصادي، خاصة في مناطق الموصل وصلاح الدين وكركوك، وافتقار بعض العائلات للوثائق المدنية، مما يحول دون وصول أطفالهم إلى المدارس، وبالتالي انخراطهم في سوق العمل، وغياب المشاريع الحكومية التنموية لهم ولأسرهم وارتفاع نسبة الفقر في المجتمع العراقي، كنتيجة حتمية للإهمال والفساد وضعف القوانين التي تحمي الأطفال