بينما كان مدير أمنها منشغلاً بتسلم مبلغ الرشوة المتفق عليه، أجهز مسلحون على ضابط كبير في مكافحة المخدرات، في أحدث تطور أمني بمحافظة ميسان.
وشهدت المحافظة الإسبوع الماضي تطورات أمنية خطيرة، بعد مقتل ضابط ومنتسب، وإصابة ضابط آخر بجروح خطيرة في هجوم مسلح. وذكرت مصادر أمنية أن مسلحين يستقلون سيارة نفذوا الهجوم على الطريق الخارجي الرابط بين مدينة العمارة والبصرة
وقتل في الهجوم العميد في جهاز الأمن الوطني "قاسم داود سلمان" مع سائقه، كما أصيب ضابط آخر بجروح بليغة. وأفاد مصدر أمني في المحافظة، بأن "الكمين الذي نصبه مسلحون مجهولون لمفرزة من الأمن الوطني، أسفر عن سقوط ضحيتين هما ضابط برتبة عميد وهو مسؤول قسم مكافحة المخدرات وسائقه، كما أصيب ضابط آخر وأحد أفراد الحماية بجروح خطيرة"، مضيفاً أن "المفرزة كانت مكلفة بواجب أمني في محافظة البصرة".
وخلال السنوات الأخيرة تعرض العديد من القضاة وضباط مكافحة المخدرات لعمليات اغتيال، حيث تسيطر الميليشيات المرتبطة بالأحزاب الحاكمة على تجارة المخدرات في البلاد، كما نفذت هذه الميليشيات عمليات مسلحة كبرى لحماية تجارتها. وتمكنت إحدى هذه الميليشيات العام الماضي، من تحرير تاجر مخدرات أثناء مثوله أمام محكمة في مدينة العمارة، مركز محافظة ميسان بقوة السلاح، أمام أنظار 100 من رجال الشرطة كانوا مكلفين بحراسته بعد اعتقاله ب 24 ساعة، حيث نقلته الميليشيا برتل من سيارات الدفع الرباعي إلى جهة مجهولة.
شرطة ميسان : الحادث جنائي
وربطت مصادر صحفية بين حادث الإغتيال الأخير وبين عصابات تجارة المخدرات التي تنشط في المحافظات العراقية، خاصة في محافظتي البصرة وميسان، لقربهما من الحدود الإيرانية، المصدر الرئيس للمخدرات والمؤثرات العقلية في العراق، ولكون الضحية يرأس قسم مكافحة المخدرات في جهاز الأمن الوطني، لكن مديرية شرطة ميسان سارعت لاعتبار الحادث جنائياً، مؤكدة في بيان لها ان المعلومات الأولية تشير إلى أن الجناة أرادوا سرقة المجني عليه، الذي كان يحمل مبلغاً من المال لشراء سيارة، الأمر الذي يتناقض مع ما صرحت به مصادر أمنية في المحافظة، من أنه كان ضمن مفرزة متوجهة إلى البصرة لتنفيذ واجب أمني.
ولم يكن هذا الحادث الأول من نوعه في محافظة ميسان، إذ اغتيل في شباط/فبراير الماضي أحد القضاة المتخصصين بقضايا المخدرات.
وكانت مديرية مكافحة المخدرات في وزارة الداخلية، قد أكدت في وقت سابق أن "محافظتي البصرة وميسان تحتلان المرتبة الأولى بالتهريب والتعاطي في المحافظات الجنوبية".
وفي نيسان/أبريل الماضي أُعلن عن اكتشاف مستودع يحتوي على أكثر من 6 ملايين و200 ألف حبة، تصل زنتها إلى طن من السموم المخدرة، تمكنت عصابات الإتجار بالمخدرات من إيصالها إلى العاصمة بغداد.
ضعف مؤسسات الدولة القائمة، مما ساعد على انتشار ظاهرة الفساد
من الإغتيالات إلى الرشوة
وفي الأثناء أظهر مقطع مصور عملية إلقاء القبض على مدير الأمن الوطني في المحافظة متلبساً بقضية رشوة. وأكدت هيئة النزاهة الإتحادية في بيان لها، إن تنفيذ العملية تم بموجب مذكرة قضائية، بعد تلقي الهيئة معلومات من مصادر سرية، تفيد بمساومة هذا الضابط لذوي متهم بدعوى تحقيقية مسجلة لدى المديرية، على دفع مبلغ من المال، وجد بحوزته خلال العملية.
وكانت هيئة النزاهة قد تلقت معلومات حول قيام مدير الأمن، وهو ضابط برتبة عقيد بمساومة ذوي أحد المتهمين ومطالبتهم بدفع 7500 دولار مقابل إعادة سيارة دفع رباعي، ضبطت سابقاً من قبل المديرية.
ورغم أن أخبار الفساد والقبض على مسؤولين متورطين بقبض رشى أصبحت من الأخبار المألوفة في البلاد، إلا أن عملية القبض على مدير أمن ميسان أحدثت ضجة كبيرة، بسبب تصويرها وبثها بشكل مباشر، حيث وثقت المشاهد المصورة لحظة إلقاء القبض على المسؤول الأول عن الأمن في الحافظة داخل مكتبه وهو متلبس بالجريمة، الأمر الذي أثار حفيظة جهاز الأمن الوطني، الذي سارع لاعتبار هذه الجريمة "تصرفاً فردياً" لا يستوجب كل هذه الضجة!
تصرف فردي أم ظاهرة عامة؟
وقال الجهاز في بيان له أن ظروف اعتقال مدير أمن ميسان مسيئة لسمعته، وأن المعتقل "لا يمثل نهج الجهاز". وانتقد البيان وسائل الإعلام التي تناولت الخبر، ودعاها ل"عدم الترويج لكل ما من شأنه الإساءة للأجهزة الأمنية" معتبراً أن "ما تم نشره وتداوله مؤخراً في منصات الإعلام والتواصل الاجتماعي (تصرف فردي)، لا يمثل في حال ثبوته إلا من تورط به" حسب تعبير البيان.
ودأبت الأجهزة الحكومية على تصوير مثل هذه الممارسات على أنها سلوك فردي، لكن العديد من المراكز البحثية أكدت أنها لم تعد كذلك، بل أصبحت ظاهرة مقلقة يمارسها كبار وصغار المسؤولين. وشخص الباحث "منقذ داغر" العديد من أسباب استفحال هذه الظاهرة، كان في مقدمتها "نظام المحاصصة السياسية الذي بُني على وجود الأحزاب، التي لم تنشأ بشكل طبيعي، بل جاءت من الخارج أو أنشئت حديثاً وتريد أن تدير السلطة، وهذا يتطلب أموالاً طائلة، فتمولّت من خلال العمل السياسي،" مشيراً إلى "ضعف مؤسسات الدولة القائمة، مما ساعد على انتشار ظاهرة الفساد".
واحتل العراق عام 2010 المرتبة الرابعة بين البلدان الأكثر فساداً في العالم، وفق تصنيف منظمة الشفافية الدولية، وتراوح موقعه خلال الأعوام اللاحقة بين المرتبتين الثانية والثالثة، أما مؤشر الجريمة المنظمة العالمي لعام 2021 فيشير إلى تربعه على المرتبة الثامنة من بين 193 دولة، وهي مرتبة تؤهله ليكون الأول على مستوى الدول العربية.