أثار قانون العفو العام في العراق جدلًا واسعًا كلما طُرح للنقاش أو التنفيذ، إذ ينظر إليه البعض على أنه خطوة نحو تحقيق العدالة الاجتماعية، فيما يراه آخرون مناورة سياسية تهدف إلى إنقاذ شخصيات نافذة متورطة في قضايا فساد أو جرائم أخرى.
ويهدف قانون العفو العام نظريًا إلى منح فرصة جديدة للمحكومين بالإفراج عنهم أو تخفيف أحكامهم، باستثناء الجرائم الخطيرة مثل الإرهاب، القتل العمد، والفساد المالي الكبير. لكن في الواقع، يفتح هذا القانون الباب أمام الإفراج عن شخصيات متورطة في قضايا حساسة، تحت ذرائع قانونية فضفاضة.
وصوّت البرلمان العراقي على 3 قوانين إشكالية دفعة واحدة، الثلاثاء، 21 من شهر يناير 2025K رغم أن نواباً قالوا إن الجلسة لم تشهد تصويتاً كافياً عليها.
والقوانين الثلاثة هي «الأحوال الشخصية»، و«العفو العام»، وإعادة العقارات إلى أصحابها المشمولة بقرارات مجلس قيادة الثورة المنحل.
استغلال القانون
رغم أن القوانين المشابهة في دول أخرى تهدف إلى تصحيح أخطاء قضائية أو تحقيق مصالحة وطنية، إلا أن التجارب السابقة في العراق أظهرت أن بعض القوانين المشابهة تم استغلالها لإطلاق سراح شخصيات نافذة أو شخصيات تنتمي لأحزاب سياسية قوية، مما يعزز الشكوك حول الدوافع الحقيقية وراء إقراره.
تمثل المناورات السياسية الجارية حول قانون العفو العام في العراق انعكاسًا واضحًا لاستغلال القوى السياسية لمصير الشعب العراقي، ومنذ ثمان سنوات وحتى الآن، يجري إدراج قانون العفو ضمن حزمة قوانين أخرى لتمرير قوانين تخدم مصالح سياسية ومالية بحتة، بينما يتم تأجيله بشكل مستمر.
ومن أبرز الأمثلة على استغلال القانون، ربط قانون العفو بالموازنة و قانون الانتخابات، الأمن الغذائي، عقارات الدولة، وقانون الأحوال الشخصية، أو قوانين أخرى ذات أهمية سياسية مباشرة.
ويرى مراقبون، أن القوى السياسية المتنفذة عملت على إقصاء قانون العفو بعد تمرير القوانين الأخرى، و رغم الاتفاقات، يتم تأجيل قانون العفو بعد تحقيق الأهداف السياسية، مما يحرم المواطنين من فرصة العدالة والإنصاف.
وأضاف المراقبون، أن المساومة على القانون جاءت وفقاً لاستغلال المعاناة الإنسانية لأهداف مالية، لأن تشير التقارير إلى أن الشركة المكلفة بإطعام السجناء وتوفير المستلزمات حصلت على أكثر من تريليون دينار عراقي في عام 2024، مما يُظهر هذا حجم المصالح المالية المرتبطة ببقاء السجناء خلف القضبان، حيث يستفيد المتنفذون من إيرادات الإطعام، الحوانيت، والابتزاز اليومي، ما يضع حياة البشر في دائرة المتاجرة الصريحة.
إطلاق سراح الفاسدين
أكد مراقبون أن البرلمان رفع شرطا من قانون العفو يتمثل بإطلاق سراح المتهمين بجرائم اختلاس وسرقة أموال الدولة وإهدار المال العام وجرائم الفساد المالي والإداري بتسديد الأموال، أي رفع جملة ما لم يسدد ما بذمته من أموال، ما يعني أنه وفق التعديل الجديد، يمكن إطلاق سراح هؤلاء وشمولهم بالعفو بإجراء تسوية مع الجهة المتضررة، دون الإفصاح عن كيفية ضمان تسديد الأموال كاملة فيما بعد في حال تم إطلاق سراحهم.
وفي هذا الجانب، أكد النائب في البرلمان، مختار الموسوي، أن تعديل قانون العفو العام بصيغته الحالية سيؤدي إلى إطلاق سراح الفاسدين مما يعرقل العدالة.
وقال الموسوي، إن هذا قانون العفو العام بصيغته الحالية سيؤدي إلى إطلاق سراح الفاسدين والسارقين وتجار المخدرات، ممن يشكلون تهديدًا حقيقيًا على الأمن والمجتمع.
وأضاف، ان "بعض القوى السياسية تسعى للضغط من أجل إصدار عفو يشمل السارقين والفاسدين مما قد يعرّض المجتمع للخطر.
من جانبها، وأكدت عضو مجلس النواب زهرة البجاري أن قانون العفو العام ينسف شعارات الدولة في محاربة الفساد وملاحقة المجرمين والمتجاوزين على القانون، فيما أشارت إلى تأجيل التصويت عليه بسبب عدم حسم الخلافات والجدل الذي أثاره التعديل.
وقالت البجاري، إن "قانون العفو العام بصيغته الحالية قد يفتح الباب أمام انتشار الجرائم، حيث يشمل قضايا تتعلق بتجار المخدرات الذين يتعاملون بكميات تصل إلى 50 غرامًا، وسراق الأموال العامة، وقضايا القتل مما يعطي فرصة أكبر لعودة الجرائم بدلاً من تحقيق العدالة".
وأضافت، أن القانون يسمح بإطلاق سراح المتهمين بقضايا الفساد والسرقة الكبرى كالمتهم بسرقة القرن نور زهير وغيره، بمجرد دفع المبالغ المطلوبة مما يثير تساؤلات حول جدوى هذه القوانين في محاربة الفساد وتحقيق الإصلاح.
ويبقى قانون العفو العام سلاحًا ذا حدين، فبينما يمكن أن يكون وسيلة لتحقيق العدالة في بعض الحالات، إلا أنه قد يتحول إلى أداة لتبرئة شخصيات نافذة متورطة في جرائم خطيرة، و الحل يكمن في وضع ضوابط قانونية صارمة تمنع استغلاله سياسيًا، لضمان تحقيق العدالة الحقيقية.