الفساد التعليمي في العراق: حين يصبح بناء المدرسة صفقة سياسية

وكالة يقين
17 نيسان، 2025

في بلدٍ يُصدّر أكثر من 3 ملايين برميل نفط يوميًا، ما يزال الملايين من طلاب العراق يتلقّون تعليمهم في مدارس متهالكة، أو ضمن نظام الدوام الثلاثي والرباعي، داخل غرف صفية مكتظة، بلا مقاعد كافية، أو حتى سقوف تحميهم من حرارة الصيف وبرد الشتاء. 
هذا الواقع المأساوي لم يكن كافيًا ليدفع الحكومة العراقية إلى إعلان حالة طوارئ تعليمية، بل على العكس، تتردد دعوات رسمية وإعلامية من خارج البلاد تطالب العراق بتمويل مشاريع إعمار مدارس في دول أخرى، في مفارقة تعكس حجم التخبط، وانعدام الرؤية، وغياب الأولويات.

وفقًا لبيانات رسمية، يحتاج العراق إلى أكثر من 8,000 مدرسة جديدة لتغطية النقص المتراكم، خاصة في المناطق المحررة من داعش. كما تشير تقارير وزارة التربية إلى أن حوالي 40% من المدارس الحالية تعاني من تدهور حاد في البنية التحتية، بعضها لا يصلح حتى لإيواء البشر، ناهيك عن تقديم خدمة تعليمية.
في بغداد وحدها، يلتحق آلاف الطلاب بمدارس قديمة تعود إلى ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، دون أي أعمال صيانة حقيقية، بينما يضطر آخرون إلى الدراسة في كرفانات مؤقتة. أما في المحافظات الجنوبية والشمالية، فالصورة أكثر قتامة: مدارس من الطين، أو صفوف تقام في بيوت مستأجرة، في ظل غياب دورات مياه صحية، أو مياه شرب نظيفة.

وفي وقت سابق، أعلنت الحكومة العراقية في العام 2021 إطلاق مشروع كبير بالتعاون مع الجانب الصيني، يتضمن بناء ألف مدرسة حديثة ضمن اتفاق “النفط مقابل الإعمار”، بتمويل من إيرادات النفط العراقي. المشروع حظي بتغطية واسعة وتفاؤل شعبي، خاصة أنه يمثّل بارقة أمل في قطاع يعاني من الإهمال المزمن.
لكن حتى اليوم، لم يُنجز إلا عدد محدود من المدارس، رغم مرور أكثر من عامين على توقيع العقود. وتضاربت الأرقام الرسمية بشأن ما تم تنفيذه فعليًا، فيما أشارت مصادر نيابية إلى وجود تأخير كبير في التنفيذ، وافتقار حقيقي إلى المتابعة والرقابة، وسط غياب الشفافية في آلية توزيع هذه المدارس جغرافيًا.

كما أشار تقرير للمنظمة العراقية للشفافية التربوية، صدر في شباط 2025، إلى أن أكثر من 35% من ميزانيات بناء المدارس تُهدر بسبب “المبالغة في التقديرات، وتغيير المواصفات بعد الإحالة، وتوزيع المقاولات بشكل غير عادل.”

لا مدارس.. ولا مناهج
أقر وكيل وزارة التربية فلاح القيسي بحاجة البلاد إلى 10 الأف بناية مدرسية لسد النقص، حيث يبلغ عدد المدارس الطينية في عموم العراق نحو 200 مدرسة غالبيتها في المنطقة الجنوبية، فيما يكثر الدوام الثلاثي في مدارس القرى والأرياف. وتوقع القيسي في تصريحه أن يتطلب إنجاز هذا العدد من المدارس 15 سنة وفق مستويات الإنجاز الحالية.

وتشير البيانات الرسمية الى التحاق نحو 11 مليون طالب بالمدارس، خلال العام الدراسي الحالي في عموم العراق، باستثناء محافظات إقليم كردستان، فيما تتفاقم الأزمة الخانقة، جراء تأخر توزيع كتب المناهج المختلفة. وعزى المتحدث باسم وزارة التربية حيدر فاروق أسباب هذه الأزمة الى تأخر وصول المخصصات المالية وسرعة التحول من نظام التعليم عن بعد إلى الدوام الحضوري. وأكد فاروق في تصريح مقتضب أن “السبب المباشر هو قلة المخصصات المالية لطباعة الكتب، وقيام بعض إدارات المدارس بتسريب الكتب المدرسية إلى الأسواق”.

ويتهم عضو البرلمان السابق، عدنان الدنبوس، من وصفهم بـ “الجهات السياسية النافذة” بالتدخل في ملف طباعة الكتب وتجهيز المدارس، مشيراً الى وجود “فساد وتعمد في تخريب التعليم الحكومي، بغية إنعاش المدارس الأهلية، التي تمتلكها الجهات السياسية النافذة”. وأفاد عضو لجنة النزاهة السابق كاظم الشمري، بأن “العراق يعاني من نقص مريع في عدد الأبنية المدرسية، وكثير من المدارس متهالكة، وبعضها عبارة عن كرفانات لا تتوفر فيها أبسط مقومات التعليم، مما يشكّل جريمة بحق الطلبة. كما أن هناك تعمد في عملية تكرار تغيير المناهج، حيث تعاد طباعة الكتب كل عام، فتذهب ملايين الدولارات إلى جيوب أصحاب المطابع، وكل هذا بسبب إستشراء الفساد في الوزارة “.

حين يُسيَّس التعليم
أكثر ما يثير القلق هو أن ملف التعليم لم يعد ملفًا خدميًا أو إنسانيًا، بل بات يُدار كصفقة سياسية. تُوزع المدارس الجديدة -إن تم بناؤها- بناءً على معايير الولاء السياسي والطائفي، لا وفق الحاجة الفعلية أو المعايير التخطيطية. بعض المقاولات تُمنح لشركات بلا خبرة، فقط لأنها تابعة لحزب أو تيار نافذ. أما جودة البناء، فغالبًا ما تكون دون المستوى، بما يفتح الباب أمام موجات فساد جديدة داخل جسم الدولة.
وفي هذا السياق، كشف نواب في البرلمان عن مخالفات مالية في عقود بناء بعض المدارس، بينها عقود تم تضخيم قيمتها، وأخرى شُيدت على أراضٍ غير مهيأة، مما أدى إلى توقف العمل فيها بعد فترة وجيزة.
وفي خضم هذا الواقع المنهك، تصاعدت حالة من الغضب الشعبي بعد تداول تصريح مثير للجدل من إحدى الشخصيات السياسية الخارجية، يطالب فيه العراق بـ”المساهمة بمبلغ 5 ملايين دولار لإعمار مدارس في دولة مجاورة”. التصريح، رغم أنه لم يصدر عن مسؤول عراقي، إلا أنه عرّى عمق الأزمة: كيف يُطلب من العراق أن يُعيل الآخرين في وقتٍ لا يجد فيه أبناؤه كرسياً للجلوس في المدرسة؟
هذه المفارقة لم تكن استثناء، بل تعبيرًا عن سياسة مضطربة تعاني من غياب الأولويات الوطنية، وسط تساهل سياسي مع ملفات حساسة كالتعليم، الذي يُفترض أن يكون جوهر أي مشروع إصلاحي.

التعليم ضحية دائمة
إن استمرار هذا النمط من الإدارة في قطاع التعليم، وسط فساد مستشري، وتسييس مفضوح، يعمّق من معاناة الأجيال الجديدة، ويهدد بخلق فجوات خطيرة في الوعي والمعرفة. فالتسرب من المدارس في تصاعد، خاصة في المناطق الريفية والفقيرة، والتحصيل الدراسي في تراجع، في ظل مناهج قديمة، ومعلمين يعملون في ظروف قاهرة، ومبانٍ لا تصلح أن تُسمى “مدارس”.

يرى مختصون في الشأن التربوي والحوكمة أن الفساد المالي والإداري هو أحد الأسباب الجوهرية وراء تدهور جودة التعليم في العراق، وليس فقط النقص في التمويل. فالمشكلة لم تعد تتعلق بعدد المدارس أو المقاعد، بل بمنظومة مشوهة تُدار بعقلية الصفقة لا الخدمة العامة.

يقول د. صباح العزاوي، الباحث في السياسات التعليمية، في تصريح حديث له (2025)، ما لم يُعالج الفساد في إدارة العقود، فإن كل مشروع لبناء المدارس محكوم عليه بالفشل، حتى لو جاء بأموال طائلة أو عبر شراكات دولية. المسألة ليست في التمويل، بل في النوايا والتطبيق.وأضاف، أن 

التعليم في العراق وقع ضحية بين مطرقة الفساد وسندان التسييس. وحتى الاتفاقيات الدولية مثل الاتفاقية الصينية، لم تنجُ من النفوذ السياسي، إذ تدخلت جهات حزبية لتحديد مواقع المدارس ومَن ينفّذها.

واكد في تصريحات صحافية، أن الفساد لا يسرق فقط المال، بل يسرق الزمن أيضاً، فكل عام يُهدر بلا مدرسة حديثة هو عام إضافي من تراجع الوعي والمعرفة.

26 مايو، 2021
يخدم مخططاتها في المنطقة .. الربط السككي مع إيران يواجَه باعتراضات واسعة 
8 أغسطس، 2018
حراس حجاج "بيت الله" ينظمون أكبر حشد بالعالم
22 يوليو، 2018
رسوم جمركية جديدة تنذر بموجة غلاء في العراق
1 أغسطس، 2018
#إيران_عدوة_العراقيين.. تنديد واسع بالتدخل الإيراني في العراق
2 نوفمبر، 2022
أصبح محطة لغسيل الأموال .. منظمات دولية تضع العراق بين أفسد 6 دول حول العالم
25 أغسطس، 2019
مهندسو العراق يواصلون احتجاجاتهم: #إلى_متى_اليوم_السبعون؟
5 يناير، 2021
في زيارته لبغداد وزير الطاقة الإيراني يملي شروطه لاستئناف ضخ الغاز  
3 سبتمبر، 2018
العراق.. نقص كبير بالكوادر الطبية رغم التعيين المركزي
23 سبتمبر، 2019
ناشطون: الفساد والروتين يقتلان الطفلة "بتول"
4 سبتمبر، 2023
في ذكرى اندلاعها.. من بدأ الحرب الإيرانية العراقية ولماذا؟
9 أبريل، 2021
9 نيسان 2003 : ثلاث ذرائع ورئيس أمريكي "متدين" أسقطت بغداد
21 سبتمبر، 2020
شركات الإتصالات في العراق.. خدمات رديئة، أجور مرتفعة ورقابة مفقودة
menu-circlecross-circle