تتفاقم التوترات بين بغداد وأربيل مع دخول أزمة تأخر صرف رواتب موظفي إقليم كردستان العراق مرحلة حرجة، وسط غضب شعبي متصاعد واحتجاجات شملت قطاعات حيوية، في مقدمتها الكوادر الطبية، بالتزامن مع إجراءات حكومية عقابية أثارت ردود فعل ساخرة ومستاءة على حدّ سواء.
وبحسب مصادر مطلعة، فإن وزارة المالية الاتحادية في بغداد أوقفت إرسال رواتب موظفي الإقليم، بحجة عدم التزام حكومة كردستان ببنود الدستور المتعلقة بإدارة وتصدير النفط، وذلك عقب توقيعها اتفاقيتين نفطيتين مثيرتين للجدل مع شركتين أميركيتين لاستثمار حقلَي "ميران" و"توبخانه - كردمير" في محافظة السليمانية، ما دفع العلاقة بين الطرفين إلى منعطف سياسي واقتصادي حاد.
وفي ظل توقف الرواتب منذ أشهر، خرج الأطباء المقيمون في السليمانية وأربيل وحلبجة إلى الشوارع احتجاجًا، معلنين الإضراب عن الدوام الرسمي، وسط تحذيرات من تداعيات خطيرة على القطاع الصحي والخدمي في الإقليم، في حال استمرار الأزمة دون حلّ.
في المقابل، اتخذت حكومة إقليم كردستان موقفًا حازمًا تجاه المضربين، بإصدار قرارات عقابية تطال الموظفين الغائبين عن الدوام، أبرزها قطع الرواتب ليوم واحد واعتبارهم غائبين رسميًا، مع التهديد بمنع الأطباء من العمل في المستشفيات الخاصة، وإغلاقها في حال مخالفة القرار، بحسب ما ورد في بيان رسمي للمديرية العامة لصحة أربيل.
الخطوة لاقت انتقادات واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي، إذ اعتبرها ناشطون "انفصالاً تامًا عن الواقع"، متسائلين: "كيف يُعاقب الموظف على غياب قسري سببه تأخر الرواتب؟"، في وقت تصاعدت فيه المطالبات بوضع حد لهذه الأزمة وإيجاد آلية شفافة تضمن صرف المرتبات بانتظام بعيدًا عن التجاذبات السياسية.
ويتخوف مراقبون من أن تتطور الأزمة إلى أزمة سياسية أوسع داخل العملية السياسية في بغداد، مع تزايد الأصوات الكردية التي تلوّح بالانسحاب من مؤسسات الدولة الاتحادية، في حال استمرار سياسة "الضغط المالي"، بينما تبدو الحكومة المركزية متمسكة بشروطها المتعلقة بعائدات النفط والتزام الإقليم بتسليمها.
وتبقى الرواتب رهينة الصراع السياسي والنفطي بين الجانبين، وسط مخاوف شعبية من تحوّل الأزمة إلى قطيعة دائمة تقوّض الاستقرار في الإقليم وتُفاقم من معاناة الموظفين والخدمات العامة على حدّ سواء.