ولاية ثالثة على أنقاض الموصل: المالكي والمهمة الإيرانية الأخيرة لترسيخ التبعية

وكالة يقين
26 كانون الثاني، 2026

في الوقت الذي تترقب فيه الأوساط السياسية العراقية ملامح المرحلة القادمة، تعود إلى الواجهة تحركات مريبة يقودها "الإطار التنسيقي" بدفع إقليمي واضح، تهدف إلى إعادة تلميع صورة زعيم ائتلاف دولة القانون، نوري المالكي، تمهيداً لدفعه مجدداً نحو سدة رئاسة الوزراء. هذا الإصرار الإيراني يثير جملة من التساؤلات حول الأهداف الحقيقية من وراء إعادة شخصية ارتبط اسمها بأسوأ حقبة أمنية ومالية شهدها العراق الحديث.

سقوط الموصل: الجرح الذي لم يندمل

لا يمكن الحديث عن نوري المالكي دون استحضار كارثة حزيران 2014، حين سقطت ثاني أكبر مدن العراق، الموصل، بيد تنظيم داعش الإرهابي في غضون ساعات. ورغم التقارير البرلمانية التي حملته المسؤولية المباشرة بصفته القائد العام للقوات المسلحة آنذاك، إلا أن الرجل لا يزال يحاول التنصل من مسؤولية انهيار مؤسسة عسكرية أنفق العراق عليها المليارات، لتترك سلاحها وتنسحب أمام بضع مئات من المسلحين، مما فتح الباب أمام دمار هائل طال محافظات بأكملها.

التهجير الممنهج وتغيير الديموغرافيا

يتهم مراقبون فترة المالكي بأنها كانت "العصر الذهبي" للانقسام الطائفي؛ حيث شهدت تلك الحقبة عمليات تهجير قسري لمناطق معينة وتدمير مدن تحت ذريعة "محاربة الإرهاب". ويرى منتقدوه أن سياساته الإقصائية وعدم استماعه للناس التي طالبت بالتغيير وبحقوقها ، وقمعها بالحديد والنار، هي التي وفرت لاحقا البيئة الخصبة لنمو التطرف، مما أدى إلى تشريد الملايين من العراقيين الذين وجدوا أنفسهم بين مطرقة التنظيمات الإرهابية وسندان الميليشيات الإرهابية التي نمت وترعرعت بدعم مباشر من مكتبه.

لغز الميزانيات الانفجارية وتهريب الأموال

على الصعيد الاقتصادي، تُطرح علامات استفهام كبرى حول مصير أكثر من 800 مليار دولار تسلمها العراق خلال فترتي حكم المالكي نتيجة الارتفاع القياسي لأسعار النفط. وبدلاً من إعمار البلاد، تشير تقارير واتهامات سياسية إلى أن جزءاً كبيراً من هذه الأموال هُرّب إلى الخارج لدعم اقتصاد دول إقليمية تحت وطأة العقوبات، أو وُزع كمنح وميزانيات غير خاضعة للرقابة لفصائل وميليشيات موالية لطهران، مما ترك العراقيين بلا خدمات أساسية وبنى تحتية متهالكة رغم الثراء الفاحش للدولة.

التبعية المطلقة وتأزيم العلاقات الإقليمية

لم يقتصر دمار حقبة المالكي على الداخل، بل امتد ليعزل العراق عن محيطه العربي والدولي. فقد انتهج سياسة "المحاور" بوضوح، مرتهناً القرار السيادي العراقي للإرادة الإيرانية بشكل مطلق، مما حول بغداد إلى ساحة لتصادم الإرادات وخلق توترات غير مسبوقة مع دول الجوار، وهو ما يفسر اليوم تمسك طهران بعودته كـ "ضامن" لاستمرار نفوذها وتأمين ممراتها الاستراتيجية عبر الأراضي العراقية.

خلاصة المشهد

إن محاولة "الولاية الثالثة" التي يروج لها الإطار التنسيقي ليست مجرد استحقاق انتخابي، بل هي محاولة لإعادة إنتاج الفشل والدمار. فالعراقيون الذين لم ينسوا بعد مشاهد النزوح والدماء والفساد الممنهج، يجدون أنفسهم اليوم أمام محاولة جادة لاعادة المشهد مرة أخرى، عبر تكريس شخصية أثبتت التجارب أنها لا تضع مصلحة العراق فوق أي اعتبار إقليمي، وهذا ما ينطبق على جميع روؤساء الوزراء الذين تسلمو المنصب منذ العام 2003 الى اليوم.

menu-circlecross-circle