بغداد/ صنعاء – يقين
كشفت تحليلات وتقارير استراتيجية حديثة عن عمق الدور الذي يلعبه العراق، وتحديداً الفصائل المسلحة المنضوية تحت لواء مايسمى "المحور"، في دعم وتثبيت أركان ميليشيا الحوثي (أنصار الله) في اليمن. هذا الدور الذي تجاوز التعاطف الأيديولوجي، تحول إلى شراكة عملياتية ولوجستية كاملة وضعت بغداد في قلب المشهد اليمني من زاوية لم تُسلط عليها الأضواء كفاية.
دعم لوجستي وعمليات عابرة للحدود
تشير المعطيات إلى أن العراق تحول في السنوات الأخيرة إلى مركز ثقل لوجستي للحوثيين؛ حيث أصبحت الأراضي والموانئ العراقية ممرات بديلة لتهريب الوقود والغاز والأسلحة، بعيداً عن الرقابة الدولية المباشرة في البحر الأحمر. ولا يتوقف الدعم عند اللوجستيات، بل يمتد ليشمل دعم مالي مباشر وتدريبات عسكرية متقدمة تجري داخل قواعد عسكرية في العراق تشرف عليها فصائل مسلحة، تتركز غالبيتها على تكنولوجيا الطائرات المسيرة والصواريخ، مما يعزز من قدرة الحوثيين على شن هجمات بعيدة المدى.
تصفية الحسابات: دماء عراقية في اليمن
وفي زاوية قاتمة من هذه العلاقة، كشفت التقارير عن قيام ميليشيا الحوثي بعمليات تصفية لضباط وطيارين عراقيين سابقين كانوا قد لجأوا إلى اليمن بعد عام 2003. هذه التصفيات، التي نُفذت عقب سيطرة الجماعة على صنعاء في 2014، اعتُبرت بمثابة "هدية سياسية" وتصفية حسابات لصالح حلفائهم في بغداد وطهران، مما يعكس مدى ترابط المصالح الأمنية بين هذه الأطراف وتجاوزها للحدود الوطنية.
مظلة التبعية الإيرانية و"التكامل الأفقي"
ورغم أن هذه العلاقة تدار تحت المظلة الاستراتيجية الإيرانية، إلا أنها بدأت تأخذ شكلاً من أشكال "التكامل الأفقي"، حيث يتم التنسيق المباشر بين الفصائل العراقية والحوثيين كأعضاء فاعلين في ما يسمى بـ"محور المقاومة" الإيراني. هذا التنسيق يمنح طهران قدرة أكبر على المناورة وتوزيع الأدوار، بحيث يصبح العراق ساحة خلفية للإسناد والتدريب، بينما يمثل اليمن رأس الحربة في استهداف الممرات المائية والملاحة الدولية.
بغداد في مواجهة المأزق المستقبلي
أمام هذا التمدد في النشاط المسلح العابر للحدود، تجد الحكومة العراقية نفسها أمام تحديات سيادية ودبلوماسية خطيرة. فالضغوط الدولية، وتحديداً من وزارة الخزانة الأمريكية التي بدأت بملاحقة قنوات التمويل المرتبطة بهذا النشاط، تضع النظام المالي العراقي تحت المجهر.
ويؤكد مراقبون أن بغداد باتت مخيرة بين خيارين: إما فرض سيطرتها على أنشطة هذه الفصائل والنأي بالبلاد عن الصراعات الإقليمية المباشرة، أو الاستمرار في سياسة "التكيف الضمني" التي قد تؤدي إلى تآكل هيبة الدولة العراقية وتحميلها تبعات أفعال جماعات مسلحة لا تخضع لقرارها السيادي.