النجف | يقين
في مشهدٍ يُلخص حالة "الانفصام القضائي" في العراق، عاد القيادي في حزب الدعوة الإسلامية، فايد الشمري، إلى أرض الوطن عبر مطار النجف الذي كان يديره يوماً، لا ليمثل أمام العدالة كفارّ من أحكام السجن، بل ليتوج عودته بـ "تسوية قانونية" أثارت سخطاً شعبياً واسعاً.
تطرح عودة الشمري (المحكوم غيابياً بالسجن 10 سنوات) تساؤلات حارقة حول دور الحكومة في تسهيل حركته. فبينما يواجه العراقيون البسطاء تعقيدات أمنية لا تنتهي، تنقل الشمري لسنوات بين العواصم مستخدماً جواز سفره الثاني، ليعود اليوم "طوعاً" وسط أنباء عن ترتيبات مسبقة تضمن له الاستفادة من قانون العفو العام.
هذه العودة المبرمجة تضع الحكومة في قفص الاتهام؛ حيث يرى مراقبون أن الدولة التي عجزت عن جلب الشمري قسراً عبر الإنتربول، هي نفسها التي فتحت له "ممرات آمنة" للتسوية، في وقت يقبع فيه آلاف العراقيين في السجون بتهم كيدية أو دون أدلة مادية، محرومين من ذات "العفو" الذي صُمم على مقاس حيتان الفساد.
لا يمكن قراءة قضية الشمري بمعزل عن سجل حزب الدعوة بزعامة نوري المالكي. فالتهم الموجهة للشمري باختلاس وتبديد مبالغ ضخمة (منها عقد الـ 72 مليون دولار) ليست سوى قطرة في بحر المليارات التي "اختفت" إبان فترتي حكم نوري المالكي (2006-2014).
إن منظومة الفساد التي أسسها حزب الدعوة، والتي جعلت من مؤسسات الدولة ومطاراتها "إقطاعيات حزبيّة"، هي ذاتها التي تمنح اليوم قادة الحزب "حصانة عابرة للحدود". فالشمري، بصفته أحد كوادر المالكي المتقدمة، يمثل نموذجاً صارخاً لكيفية تحول الانتماء الحزبي إلى صك غفران يمحو أحكام القضاء بـ "تسوية مالية" بسيطة من الأموال التي سُلبت أصلاً من خزينة الشعب.
بينما يُروج الإعلام الحكومي لهذا الاعتقال كـ "إنجاز"، يرى الشارع العراقي فيه "مسرحية سياسية". فمبدأ "أعد المال واخرج حراً" المطبق مع كبار الفاسدين، يغيب تماماً عن التعامل مع آلاف السجناء الذين ضاعت أعمارهم خلف القضبان بسبب "المخبر السري" أو انتزاع الاعترافات القسرية، مما يكرس قناعة شعبية بأن القانون في العراق يُطبق فقط على مَن لا يملك "ظهراً حزبياً" أو "جوازاً أجنبياً".