بغداد – خاص
في مؤشر جديد يعكس عمق الأزمة الهيكلية التي يعاني منها المجتمع العراقي، كشفت بيانات مجلس القضاء الأعلى عن أرقام صادمة لحالات الطلاق خلال الشهر الأول من العام الحالي، وسط انتقادات حادة لعجز المنظومة القانونية والخطط الحكومية عن كبح جماح هذه الظاهرة التي باتت تهدد السلم الأهلي.
أظهرت الإحصائية الرسمية الصادرة عن مجلس القضاء الأعلى ليوم الثلاثاء، تسجيل 5,999 حالة طلاق خلال شهر كانون الثاني 2026 فقط، مقابل 27,256 عقد زواج. وبالنظر إلى لغة الأرقام، فإن العراق يشهد تسجيل ما يقارب 200 حالة طلاق يومياً، وهو معدل ينذر بكارثة اجتماعية إذا ما استمر غياب المعالجات الحقيقية.
وتركزت النسبة الأكبر من هذه الانهيارات الأسرية في العاصمة بغداد، حيث سجلت محاكم الرصافة والكرخ وحدهما 2,636 حالة طلاق، تلتها البصرة ونينوى، مما يشير إلى أن مراكز الثقل السكاني هي الأكثر تضرراً من الضغوط الاقتصادية والاجتماعية.
يرى مراقبون أن هذه الأرقام ليست مجرد إحصائيات عابرة، بل هي انعكاس مباشر لفشل الحكومات المتعاقبة في معالجة جذور الأزمة، وأبرزها:
وفي قراءة قانونية لهذه الأرقام، يرى الخبير القانوني، المحامي أحمد العبيدي، أن المنظومة التشريعية الحالية تساهم بشكل غير مباشر في تيسير الانفصال بدلاً من معالجة أسبابه. ويقول العبيدي:
"قانون الأحوال الشخصية العراقي، رغم رصانته التاريخية، بات عاجزاً عن مواكبة التحولات الاجتماعية المتسارعة. نحن نعاني من غياب مراكز الوساطة الأسرية الإلزامية التي تسبق الدخول للمحاكم، حيث يتحول القاضي في كثير من الأحيان إلى 'موثق للطلاق' بدلاً من أن يكون 'مصلحاً'، نظراً لضغط زخم القضايا الهائل."
ويضيف العبيدي أن "الفشل لا يقتصر على النص القانوني فحسب، بل يمتد إلى غياب القوانين الرادعة التي تضمن حقوق الأطفال والسكن بعد الطلاق، مما يجعل قرار الانفصال يُتخذ بتهور دون النظر لتبعاته الكارثية على المجتمع، فضلاً عن الحاجة الماسة لتشريع يفرض 'تأهيلاً نفسياً واجتماعياً' للمقبلين على الزواج لضمان وعيهم بالمسؤولية القانونية والشرعية".
وبحسب البيانات، فقد توزعت حالات الطلاق على المحافظات بنسب متفاوتة تعكس حدة الأزمات المحلية؛ فبينما سجلت القادسية 367 حالة والمثنى 197 حالة، استمرت نينوى والبصرة في تسجيل أرقام مرتفعة (أكثر من 400 حالة لكل منهما)، مما يضع علامات استفهام كبرى حول دور المؤسسات الدينية والتربوية والاجتماعية في تلك المناطق لمساندة الجهود القانونية المتعثرة.
ويبقى السؤال المعلق أمام أروقة البرلمان والحكومة: هل ستتحرك الجهات التشريعية لتعديل القوانين بما يتناسب مع حجم الكارثة، أم سيبقى "الطلاق" الثقب الأسود الذي يبتلع مستقبل العائلات العراقية وسط صمت رسمي مطبق؟

