ديالى – يقين
بينما تحتفي دول العالم بمواسم الأمطار كمصدر استراتيجي للأمن المائي، تحولت الزيادة في مناسيب نهر ديالى إلى "كابوس" يطارد المزارعين، ليكشف مجدداً عن عمق الفشل الحكومي المتراكم منذ عام 2003 في إدارة ملف المياه. فبدلاً من استثمار هذه الوفرة لتعويض سنوات الجفاف، تحولت الإطلاقات المائية إلى سيل جارف يهدد الهوية الزراعية للمحافظة، وسط عجز رسمي "مخجل" عن إنشاء مشاريع إستراتيجية لاستيعاب هذه الكميات.
خسائر بالآلاف.. والسيناريو يتكرر
كشف عضو مجلس محافظة ديالى، رعد مغامس التميمي، عن كارثة بيئية واقتصادية حلت بالمحافظة، حيث تسببت الفيضانات بتلف أكثر من 5 آلاف دونم من البساتين والمزارع، مؤكداً أن آلاف الدونمات الأخرى باتت على حافة الهلاك.
وأوضح التميمي أن الإطلاقات المائية القادمة من سد "دربندخان" بلغت مستويات قياسية تتراوح بين 650 إلى 730 متراً مكعباً في الثانية، مما أدى لغرق مناطق "الوقف" الممتدة من "أبي صيدا" وصولاً إلى "خرنابات والهويدر"، وهي المناطق التي تعد سلة الغذاء للمحافظة بما تضمه من كروم العنب وبساتين الحمضيات.
إهمال حكومي "متعمد"
المثير للصدمة أن الأراضي المتضررة اليوم هي ذاتها التي حاول المزارعون إحياءها بجهود ذاتية بعد فيضان عام 2019، مما يعكس غياب أي خطة استباقية من قبل وزارة الموارد المائية. ويؤكد التميمي أن المطالبات المتكررة لـ "كري" (تنظيف) حوض النهر والبحيرة لزيادة سعتها الاستيعابية ذهبت أدراج الرياح، وكأن الجهات المعنية تنتظر وقوع الكارثة لتتحرك بـ "حلول ترقيعية".
استهتار بالأمن المائي
يؤكد خبراء في الموارد المائية أن ما يحدث في ديالى هو "جريمة إدارية" مع سبق الإصرار. ويرى الخبير المائي المهندس (أحمد الجبوري) أن "الحكومات المتعاقبة منذ 2003 لم تنجح في إضافة سد واحد أو مهرب مائي إستراتيجي في ديالى، رغم توفر الموازنات الانفجارية في سنوات سابقة".
ويضيف الجبوري: "هناك دراسة فنية كاملة قدمت لتصريف المياه عبر مهرب باتجاه (وادي النفط) وصولاً إلى (هور الشويجة)، وهو مشروع كفيل بتحويل مياه الفيضانات من أداة تدمير للبساتين إلى شريان حياة يحيي آلاف الدونمات في شرق ديالى، لكن البيروقراطية والفساد وغياب الإرادة السياسية جعلت هذا المشروع حبيس الأدراج".
حكومة تتفرج على الغرق
إن استمرار هدر المياه بهذا الشكل، وتحولها من "ثروة" إلى "نقمة" تغرق أرزاق المواطنين، يضع الحكومة الحالية والوزارات المعنية في دائرة الاتهام المباشر. فالعجز عن تنفيذ "مهرب مائي" أو تنظيف مجرى النهر ليس نقصاً في الإمكانيات، بل هو انعكاس لسياسة "اللامبالاة" التي تدار بها موارد البلاد منذ عقدين، حيث يُترك الفلاح ليواجه مصيره وحيداً أمام فيضانات كان من الممكن أن تكون "بشارة خير" لو وجدت دولة تحترم ثرواتها.

