القتل والدمار والخراب والتشريد والتعذيب، بين هذه الكلمات فقط يمكن البحث عن حال مدينة الموصل بمحافظة نينوى وأهلها ، بعد أربعة أشهر من العدوان العسكري الانتقامي ( الحكومي والدولي ) على المدينة ، والذي حولها من بلدة آمنة مطمئنة إلى مكان تفوح رائحة الموت من كل جنباته.
عدوان جعل أهالي الموصل بين محاصر ونازح ، وكل له معاناته ، فالمحاصرون قابعون تحت قصف انتقامي متواصل ليل نهار ، ويعانون من نقص المواد الغذائية والطبية ومياه الشرب والكهرباء بالإضافة إلى جرائم وانتهاكات حكومية وميليشياوية بحقهم ، وأما النازحون فمعاناتهم أدهى وأمر ، حيث يواجهون موتا محققا في مخيماتهم التي تفتقر لأبسط مقومات الحياة في أجواء شديدة البرودة ، ولم يسلموا كذلك من جرائم الميليشيات الطائفية.
النزوح ورغم مرارته لم تتوقف موجاته من الموصل نتيجة تواصل العدوان الظالم على المدينة ، حيث ارتفع عدد النازحين من الموصل منذ بدء العدوان عليها ، إلى أكثر من 198 ألف شخص ، بحسب ما ذكر المرصد العراقي لحقوق الإنسان الذي أكد أن هذا العدد ضمن أكثر من 37 ألف عائلة وأن جميعهم من الساحل الأيسر من الموصل.
الشتاء يفاقم الاوضاع المأساوية للنازحين
الأوضاع المأساوية التي يعيشها النازحون من الموصل ، في ظل انخفاض درجات الحرار والإهمال الحكومي المتعمد لهم ، أكدها كذلك مرصد حقوق الإنسان ، الذي أشار أيضا إلى أن تقليل منظمة الأمم المتحدة نسبة المساعدات الإنسانية المقدمة للنازحين فاقم من معاناتهم المستمرة.
الأجواء شديدة البرودة في ظل الإهمال الحكومي المتعمد لأوضاع النازحين ، تسببت خلال اليومين الماضيين في وفاة نازحين اثنين في مخيمي الجدعة بمحافظة نينوى وعامرية الفلوجة بمحافظة الأنبار ، كما تسبب الإهمال أيضا في إصابة نازحة في مخيم مخمور بنينوى إثر حريق اندلع في خيمتها ، كما افترست حيوانات برية ، ام وطفلها أثناء نزوحهما من قضاء الحويجة جنوب غربي محافظة التاميم باتجاه ناحية الدور شرقي محافظة صلاح الدين ، وذلك امام اعين الشرطة الحكومية التي زعمت عدم قدرتها على التدخل بسبب كثرة اعداد الحيوانات.
جرائم الميليشيات
مأساوية أوضاع النازحين جراء الإهمال الحكومي لم تكن منتهى معاناتهم ، بل كانت جرائم الميليشيات الطائفية بحقهم أكثر قساوة من تلك الأوضاع ، حيث اتهمت منظمة هيومن رايتس ووتش ، ميليشيات ما يعرف بالحشد الشعبي باحتجاز رجال نازحين من الموصل ، في أماكن سرية ويواجهون مصيرا مجهولا وموتا محققا ، محذرة من تعرض المعتقلين لخطر كبير على يد تلك الميليشيات الاجرامية التي تواصل ارتكاب جرائمها المنظمة بحق العراقيين الأبرياء تنفيذا لأوامر إيران.
الاحتجاز والتعذيب لم يقتصر على الرجال من النازحين فقط ، بل طال الأطفال وبراءتهم ، فقد اتهمت هيومن راتيس ووتش أيضا حكومة كردستان العراق ، باحتجاز 183 طفلا بذريعة تعاملهم مع مسلحي ( تنظيم الدولة ) ، مشيرة إلى أن هؤلاء الأطفال تتراوح أعمارهم بين 11 و17 عاما.
التعذيب الوحشي للأطفال المحتجزين من قبل حكومة كردستان ، أكدته المنظمة ، التي أشارت إلى أن القوات الكردية أجبرت هؤلاء الأطفال على اتخاذ وضعيات مجهدة وأحرقتهم بالسجائر بالإضافة إلى تعرضهم للركل واللكم والضرب بأنابيب وكابلات بلاستيكية وصعقتهم بالكهرباء ، مؤكدة أنه لم يتح لأي منهم الاتصال بمحام أثناء الاستجواب ، ولم يسمح لأغلبهم بالاتصال بأفراد عائلاتهم منذ اعتقالهم لأشهر عدة.
حكومة كردستان تعتقل وتعذب الاطفال النازحين
تورط حكومة كردستان باعتقال وتعذيب أطفال ، أكدته أيضا مجلة فورين بوليسي الاميركية ، في تقرير لها ذكرت فيه أن الأطفال الذين احتجزهم الاسايش في مراكز اعتقال في اربيل ويقدر عددهم 183 ، تعرضوا للتعذيب الوحشي على يد تلك القوات ، في مقر آسايش في أربيل ، والمعروفة باسم "جيشتي" ، والمكاتب الاقليمية للأسايش في كركوك ، حيث يجري تبليل أجسادهم بالماء ومن ثم ربطهم بآلة كهرباء وصعقهم لأجبارهم على الاعتراف ، اضافة الى الصفع والضرب ، حيث كان يتعرض أغلبهم لحالات إغماء بسبب التعذيب.
مصير مجهول للمحاصرين داخل الموصل
المحاصرون داخل الموصل لا تقل معاناتهم عن النازحين خارجها ، فبالإضافة إلى القصف الانتقامي المتواصل عليهم ومعاناتهم الشديدة جراء نقص المواد الغذائية والطبية ومياه الشرب والكهرباء ، تأتي جرائم الميليشيات الطائفية لتزيد من معاناتهم ، حيث أقرت إدارة مجلس محافظة نينوى الحالية بتلقيها شكاوى من المواطنين في مناطق الساحل الايسر من الموصل ، عقب تعرضهم للسرقة والسطو المسلح وانتهاكات أخرى ، في ظل الفوضى الامنية التي اعقبت اقتحام مناطقهم من قبل القوات المشتركة مع الحشد الشعبي وقوات الاحتلال الامريكي.
إدارة نينوى الحالية اعترفت كذلك بقيام ميليشيات متنفذة في الحكومة ، بسرقة المنشآت الحكومية المهجورة ، والمنازل التي غادرها أهلها في عدد من مناطق الساحل الايسر شرق الموصل ، ما جعل حال الاحياء المذكورة ومواطنيها في غاية السوء والصعوبة ، في ظل سرقة ونهب عشرات آلاف المنازل والدوائر الحكومية داخل الموصل وخارجها.
أزمات تلو الأخرى تهدد المحاصرين داخل الموصل جراء العدوان الانتقامي الذي دمر بناها التحتية ، أحدث هذه الأزمات كانت أزمة المياه الخطيرة التي تهدد أهالي محافظة نينوى لاسيما مدينة الموصل ، حيث اعترف وزير التربية الحالي "محمد إقبال" بأن ما لا يقل عن نصف مليون من أهالي نينوى يواجهون خطر شحة المياه ، والاضطرار إلى استخدام المياه غير الصالحة للشرب.
أهالي الجانب الأيمن من مدينة الموصل ينتظرهم مصير أسود مشابه لذلك الذي لحق بأهالي الجانب الأيسر مع استعداد القوات الحكومية وميليشياتها الطائفية بدعم من طيران التحالف الدولي للعدوان على ذلك الجانب ، حيث أعلنت الأمم المتحدة اضطرار حوالي ربع مليون من المدنيين للنزوح عن الاحياء الغربية للموصل تحسبا لهجوم القوات الحكومية والميليشيات التابعة لها الانتقامي على المدينة وأهلها وما يتبعه من عمليات تنكيل بالسكان.
قلق دولي من كارثة انسانية في الموصل
المتحدث باسم المفوضية العليا لشؤون اللاجئين في المنظمة "ماثيو سالتمارش" أكد أن المفوضية ومنظمات اخرى تعمل للاستجابة لاحتمال مغادرة اعداد كبيرة من العراقيين تحسبا للمرحلة المخطط لها من الهجوم العسكري في غرب الموصل ، مشيرا إلى أن عددا كبيرا من السكان محاصرون في تلك المناطق ، وأن المفوضية قلقة جدا بشأنهم.
التوقعات بنزوح أعداد كبيرة من جانب الموصل الأيمن مع بدء العدوان عليه ، في ظل عدم وجود مخيمات لهم ينذر بكارثة إنسانية جديدة ، وهو ما كشفته المنظمة الدولية للهجرة التابعة للامم المتحدة "اليونامي" ، حيث أكدت أن هناك حاجة ملحة لإنشاء مواقع طوارئ لإيواء النازحين في العراق ، وذلك في ظل تصاعد اعدادهم من المدن التي تشهد عدوانا انتقاميا من قبل القوات الحكومية وميليشياتها المدعومتين من قبل قوات الاحتلال الامريكية وطيران التحالف الدولي.
أكثر من ثلاثة ملايين نازح ومهجر داخل العراق
المنظمة ذاتها أكدت وجود أكثر من ثلاثة ملايين نازح ومهجر داخل العراق ، وذلك جراء الحملات الانتقامية التي تشنها القوات الحكومية وميليشياتها على مختلف المدن لاسيما في المحافظات المنتفضة ، حيث أشار رئيس بعثة المنظمة في العراق "توماس لوثر فايس" إلى ارتفاع عدد النازحين والمهجرين داخل العراق مع بدء معارك مدينة الموصل شمالي البلاد ، منذ نحو أربعة أشهر.
انعدام الأمن الغذائي الذي يعاني منه النازحون داخل العراق أشارت إليه منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة ( فاو ) التي أكدت على لسان ممثل المنظمة في العراق "فاضل الزعبي" أن نحو ثلاثة ملايين عراقي يعانون إنعدام الأمن الغذائي ، وأن الأطفال والنساء وكبار السن يشكلون نحو 77 في المئة من عدد السكان الذين يعانون من انعدام ذلك الأمن.
ماذا ينتظر اهالي الموصل؟
دلائل كثيرة تشير إلى المصير الأسود الذي ينتظر أهالي الجانب الأيمن من مدينة الموصل ، أبرزها اعتراف قيادة ميليشيا ما يعرف بالحشد الشعبي بإكمال استعداداتها لاقتحام الجانب الأيمن ، حيث أقر المتحدث باسم هيئة ميليشيات الحشد "أحمد الأسدي" بإعداد فرق خاصة مدربة ومجهزة على ما اسماها بحرب الشوارع ، وأن ميليشيا الحشد ستكون لها مشاركة أساسية في المرحلة السادسة باقتحام الجانب الايمن من الموصل ، وعملياتها ستكون الجيب الممتد من الساحل الايمن للموصل وصولا الى تلعفر مرورا بالمحلبية وانتهاءً بحدود قضاء سنجار.
مشاركة قوات الاحتلال الأمريكي في العدوان على جانب الموصل الأيمن ينذر كذلك بكارثة إنسانية لأهالي ذلك الجانب المحاصرين ، فقد اعترف وزير الدفاع الحالي الجديد "محمود الحيالي" بمشاركة قوات الاحتلال الامريكية في اقتحام مناطق الساحل الايمن ، مقرا باتصاله هاتفيا بقائد المنطقة الوسطى للاحتلال الامريكي ، الجنرال "جوزيف فوتيل" ، لبحث التنسيق والتعاون المشترك بين القوات المشتركة وقوات الاحتلال الامريكي المدعومة بطيران التحالف الدولي وتحديد موعد لبدء العمليات العسكرية في الجانب الأيمن.
إقرار التحالف الدولي بصعوبة المعارك القادمة في جانب الموصل الأيمن دليل آخر على الوضع الكارثي الذي ينتظر أهالي هذا الجانب ، حيث اعترف المتحدث باسم قيادة التحالف المذكور "جون دوريان" بأن توقعات التحالف الدولي تشير إلى معركة عنيفة وصعبة للغاية في مناطق الساحل الأيمن من مدينة الموصل في الأيام المقبلة.
الحكومة الحالية لم تكتف بالحملات الانتقامية على العديد من المدن وقتل وتشريد أهلها وتدميرها ، وإنما عاقبت النازحين من هذه المدن بالإهمال وسرقة الأموال المخصصة لهم ، حيث أقرت لجنة ما تعرف بحقوق الإنسان البرلمانية على لسان العضو فيها "جوزيف صليوا" ، باختلاس أموال التبرعات المقدمة للنازحين ، معترفا بوجود معلومات تفيد بوجود ملايين الدولارات رصدت من قبل الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأميركية وبعض الدول العربية إلى النازحين العراقيين ، إلا أنها لم تصل إليهم أبدا.
الفساد يلتهم اموال التبرعات المخصصة للنازحين
استخدام أموال التبرعات للنازحين لتحقيق مكاسب سياسية ، من قبل الساسة الحاليين ، أقر به أيضا صليوا ، الذي اعترف بأن الأيام الأخيرة ما قبل الانتخابات ستشهد قيام بعض السياسيين الحاليين بتقديم مبالغ مالية وأغذية ومستلزمات أخرى من هذه الأموال ، على أساس أنها من أموالهم الخاصة لغرض كسب الأصوات الانتخابية.
الفساد المستشري في وزارة الهجرة والمهجرين الحالية حال كذلك دون وصول الأموال المخصصة للنازحين ، فقد اعترف عضو لجنة ما تعرف بالهجرة البرلمانية "ماجد شنكالي" بوجود شبهات فساد كبيرة في عمليات الشراء الخاصة بالإيواء والإغاثة ، الأمر الذي يفاقم من معاناة النازحين.
اللجنة نفسها أقرت كذلك بتفاقم معاناة النازحين جراء الفساد الحكومي ولكن هذه المرة على لسان العضو فيها "نهلة الهبابي" التي اعترفت بأن الروتين والفساد الحكوميين هما سبب تأخر رواتب الموظفين والمدرسين المهجرين من المناطق الساخنة في محافظات الانبار والتاميم وديالى وغيرها ، مقرة بأن هنالك رواتب متراكمة منذ ثلاثة أشهر لموظفي المناطق الساخنة لم يتم صرفها وأن السبب من وزارة المالية الحالية التي لم تحول التخصيصات الى الوزارات الحالية المعنية.
العدوان الانتقامي على الموصل مستمر ، وتستمر معه عمليات القتل والتشريد والتدمير والتخريب وجرائم الميليشيات بحق أهالي هذه المدينة الحدباء ، التي يريد الحاقدين تغيير ديمغرافيتها خدمة للمشروع الإيراني التوسعي في العراق الذي تنفذه طهران عن طريق أذنابها في العملية السياسية الحالية.
يقين نت
م.ع