نازحو العراق في العيد.. مأساة مستمرة في المخيمات

قسم التقارير – بغداد، نينوى

في مخيم "حسن شام" جنوب شرق الموصل، أطفال يلعبون ويلهون بالحجارة والرمال، فرحين بالعيد، لكن لهوهم داخل أسوار المخيم المشبكة تمنعهم من الخروج، "حمود علي" ذو الاربعة أعوام، أحد هؤلاء الاطفال من الذين لا يعرفون بيتا لهم، فمنذ أن كان في الثانية من عمره وهو في هذا المخيم البائس المحاط بالأراضي الجرداء.

"يتمنى أطفال المخيمات وجود "الأراجيح" وألعاب يلهون بها في العيد، وآخرون يتمنون شراء ملابس جديدة"

يقول والد الطفل "علي" إنهم "نزحوا إلى مخيم حسن شام قبل أكثر من عامين، بعد أن أدت المعارك في أطراف سنجار إلى تهجيرهم من قراهم وتدميرها بالكامل على يد الميليشيات الايزيدية".

ويضيف متحدثا لوكالة "يقين" إنه "ورغم مضي عامين على مكوثهم في هذا المخيم، إلا أن بقاءهم فيه سيطول لسنوات في ظل غياب أي ارادة تعيدهم إلى ديارهم".

أطفال المخيمات: بأي حال عدت يا عيد؟

تنتشر عشرات المخيمات في العراق منذ عام 2014، ويتركز وجود هذه المخيمات في المحافظات الشمالية والوسطى، والتي نشئت عقب سيطرة مسلحي "تنظيم الدولة" على أكثر من ثلث مساحة العراق في عام 2014 وما تبع ذلك من معارك ضارية بين القوات الحكومية ومسلحي التنظيم، ما أجبر أكثر من خمسة ملايين شخص على النزوح من ديارهم، أكثر من مليون منهم استوطنوا المخيمات، وبحسب آخر ما أعلنت عنه وزارة الهجرة، فإن عدد المخيمات في العراق تراجع إلى ما يقرب من 120 مخيما في شهر يونيو/ حزيران الماضي، بعد عودة كثير من العوائل إلى ديارها.

ويقول النازح "عبد الله سمير" أحد المقيمين في "مخيم الخازر" جنوب مدينة الموصل في حديثه لوكالة "يقين" إن "الايام التي يقضونها في هذا المخيم متشابهة ولا فرق بين يوم وآخر إلا باشتداد المعاناة"، مضيفا أنه "ومنذ أكثر من عام ونصف العام يقيم هو وعائلته المكونة من خمسة أفراد في خيمة في مخيم الخازر بين محافظتي نينوى وأربيل، وأنه يتمنى العودة إلى محل ولادته واقامته في منطقة "باب لكش" في المدينة القديمة".

لكن "عبد الله" يستدرك تمنياته تلك بقوله إنه "فقد بيته ومصدر رزقه وسيارته وأحد أبنائه، ولا يملك ثمن العودة من المخيم إلى الموصل، فكيف سيستطيع إعالة أسرته!!".

"الوضع مهما تحسن فإنه سيظل مخيما بائسا، لا بد من إعادة من يقيم فيه إلى ديارهم وإغلاق المخيم"

أطفال صغار يمرحون ويلعبون بالرمال والاحجار داخل أسوار المخيمات، بعضهم يتمنى العودة إلى بيته، وبعضهم الآخر يتمنى وجود "الأراجيح" وألعاب يلهون بها في العيد، وآخرون يتمنون شراء ملابس جديدة، هذه التمنيات رواها مجموعة من الأطفال في مخيم "الجدعة" في القيارة جنوب الموصل، مخيم يبدو أن مظاهر العيد لم تمرّ من جواره، فعلامات البؤس والقهر ظاهرة للعيان في وجوه الكبار والصغار على حد سواء.

يقول "شكر الدليمي" أحد المسؤولين في مخيم الجدعة في حديثه لوكالة "يقين" إن "الوضع الانساني في المخيم تراجع خلال الاشهر الماضية، وبعض المنظمات الانسانية انسحبت من العمل في المخيم".

وعن الوضع الانساني للاطفال وتوفير ما يحتاجونه خاصة في العيد، يضيف الدليمي أن "الامكانيات المالية لادارة المخيم محدودة جدا وأنه لا قدرة لهم على توفير احتياجات الاطفال من ملابس جديدة أو وسائل ترفيه"، مستدركا بالقول، إن "الوضع مهما تحسن فإنه سيظل مخيما بائسا لا بد من إعادة من يقيم فيه إلى ديارهم وإغلاقه".

مخيمات النزوح.. البؤس قاسم مشترك

لعله العيد الخامس أو السادس الذي يمر على نازحي مخيم حي الجامعة غرب بغداد وهم مشردون بعيدون عن ديارهم، لكن السلطات الحكومية أبت إلا أن تشردهم مرة أخرى قبيل العيد بأيام في خطوة لاقت استهجان كثير من النازحين وممن يجاورون المخيم على حد سواء، ففي خطة مفاجئة ومن دون سابق انذار، أزالت القوات الحكومية مخيم "حي الجامعة" غرب بغداد وأفرغته من النازحين خلال ساعات، وأمرت النازحين بالتوجه إلى مخيمات الجدعة والكيارة جنوب الموصل، إزالة المخيم هذا لم تؤثر على الكبار بقدر ما كان تأثيرها كبيرا على الاطفال قبيل العيد بأيام.

وتقول "خولة زهير" إحدى النازحات من منطقة جرف الصخر والتي استولت عليها ميليشيا الحشد ومنعت سكانها من العودة إليها، خلال حديثها لوكالة "يقين" أنها "نتيجة السرعة التي أخلت بها السلطات الحكومية المخيم، فإنها أضاعت ما كانت قد حصلت عليه لأطفالها الاربعة من ملابس وأمتعة للعيد".

وتضيف خولة -وهي تحاول حبس الدموع التي تصر على الخروج من عينيها- أنها "لم تكتمل أي فرحة لها منذ عام 2013، عندما اعتقلت القوات الحكومية زوجها ولم تره منذ ذلك الحين".

"لماذا ظلت مخيمات النزوح كل هذه الفترة ومتى ستنتهي؟"

في أطراف مدينة الموصل من الجهة الجنوبية، تلوح من بعيد تجمعات بيضاء، يتبين عند الاقتراب منها أنها خيم النازحين فيما يعرف بمخيم السلامية، والذي أصبح نقطة استدلال على القرى الواقعة جوار الطريق السريع المؤدي إلى كركوك، آلاف الخيم البيضاء الموشحة بشعار الامم المتحدة مسورة بأسوار حديدية تمنع من بداخلها من الخروج إلا بإذن، يتبين للمار بقربها أعداد الاطفال الذين يلعبون ويلهون في التراب والحجارة في ظهيرة يوم صيفي حار تتجاوز الحرارة فيه 43 درجة مئوية، ليتبين عند سؤال أحد مسؤولي المخيم أن "المخيم ومنذ ما قبل عيد الأضحى فإنه يعاني من نقص إمدادات المياه الصالحة للشرب والكهرباء". ويضيف المسؤول لوكالة "يقين" -والذي رفض الكشف عن هويته- إنهم "لا يعرفون السبب وعند سؤالهم الجهات الأعلى، أبلغوهم بإن هذه الحالة مؤقتة خلال فترة العيد فقط"، بحسبه.

ويشير المسؤول إلى أنه "من خلال تكرار هذه الحالة لأكثر من مرة وفي أكثر من مناسبة، فإنه تبين للمسؤولين عن المخيم أن الامر مقصود من الجهات العليا -من دون أن يسمها-".

إلى متى ستبقى مخيمات النزوح؟

أكثر من عام مضى على إعلان رئيس الوزراء "حيدر العبادي" استعادة السيطرة على كامل الاراضي العراقية، إلا أنه وبعد مرور كل هذه المدة، لا بد من طرح تساؤل مفاده، لماذا ظلت مخيمات النزوح كل هذه الفترة ومتى ستنتهي؟

من جانبه عضو لجنة الهجرة في البرلمان السابق، النائب "حنين القدو"، أكد في تصريح صحفي له أن "عودة النازحين بشكل كامل مرهونة بتوفير الخدمات وإعمار المنازل المدمرة"، لافتا إلى أن "عودة النازحين مستمرة لكن قلة الموارد المالية وبطء عمليات تأهيل البنى التحتية وربطها بالماء والكهرباء والاتصالات والطرق والجسور تعد العائق الرئيسي أمام عودة النازحين".

"ملف النازحين لن يغلق بتاتا وأنه سيظل مشكلة قائمة في العراق ما دامت جهات عدة مستفيدة من وجودها"

بدوره، رئيس منظمة نينوى للإغاثة "محمد الطائي"، قال في تصريح صحفي لصحيفة عربية أنه "يتوقع أن يشهد النصف الثاني من العام الجاري عودة ما بين 300 إلى 400 ألف نازح"، مبينًا أن "ملف النازحين داخل العراق لن يغلق قبل نهاية عام 2020 في أفضل الأحوال، حيث أن الملف مرتبط بموافقة ميليشيا الحشد على عودة النازحين الى مدنهم، وكذلك ملف الأموال وإعادة الإعمار في هذه المدن".

محلل: ملف النازحين مشكلة قائمة بالعراق

أما المحلل السياسي العراقي "رياض العبيدي" أشار إلى أن "ملف النازحين لن يغلق بتاتا وأنه سيظل مشكلة قائمة في العراق ما دامت جهات عدة مستفيدة من وجود هذه المخيمات".

وأضاف في حديثه لوكالة "يقين" أن "هذه المخيمات أضحت شبيهة بالمخيمات الفلسطينية وأن فائدتها للمسؤولين تتلخص في ثلاث نقاط، أولها: أنها وسيلة للضغوط السياسية تمارسها أحزاب السلطة، والنقطة الثانية: أن هذه المخيمات تعد ورقة رابحة في الانتخابات حيث أنها لم تستخدم فيها البصمة أو البطاقة الالكترونية وعُدّت ورقة رابحة من أجل التزوير، أما النقطة الأخيرة: هي أن هذه المخيمات أفضل وسيلة لغسل الاموال والسرقات التي تنفذها الوزارات والمحافظات المعنية والمنظمات مجتمعة". مشيرا إلى أن "هذه الأسباب أو النقاط مجتمعة ستجعل من المخيمات واقع حال لسنوات عديدة مقبلة"، بحسبه.

menu-circlecross-circle