قسم التقارير - نينوى
بعد قرابة عام على إعلان حكومة العبادي انتهاء الحرب في الموصل، واستعادة السيطرة على المدينة، ما زالت أرواح الموصليين تزهق نتيجة تبعات تلك الحرب، وما خلفته من متفجرات غير منفلقة، وبيوت مفخخة، ومخلفات حربية.
المواطنة "أم عزام" كانت تسكن المدينة القديمة في الموصل، وتحديدا في منطقة الجامع الكبير، تقول: إنها عادت إلى بيتها قبل أيام لأجل جمع بعض الحاجيات من منزلها المهدم جزئيا، ومحاولة استخراج بعض الثياب الصيفية.
تقول "أم عزام" في حديثها لوكالة "يقين": إنها -وعند دخولها قبو منزلها- فوجئت بوجود بعض "الجرات" التي لا تعرفها، وعند اقترابها منها تبين أنها متفجرات، استدلت عليها من الأسلاك الخارجة منها.
وتضيف لوكالتنا، أنها انسحبت من الدار بعدئذ؛ خشية حدوث انفجار يودي بحياتها، بعد أن أدى انفجار بيت أختها المفخخ إلى مقتل ابن أختها "محمد"، الذي يبلغ من العمر 18 عاما في منطقة المشاهدة، بعد أن ذهب للبيت في محاولة منه لتنظيفه، والعودة للسكن فيه.
عقد من الزمان لرفع المتفجرات في الموصل
الأمم المتحدة من جانبها حذرت من بقاء القنابل غير المنفجرة في الموصل لعقد من الزمن،ما يعرض مليون مدني أو أكثر للخط،. يقول "بيير لودهامر" -وهو مدير برنامج لدى الأمم المتحدة للإجراءات المتعلقة بالألغام-: إن معركة الموصل خلفت ما يقدر بأحد عشر مليون طن من الحطام والأنقاض، وإنه من المعتقد أن ثلثي المواد المتفجرة ما زالت مدفونة تحت الركام.
"الأمم المتحدة من جانبها حذرت من بقاء القنابل غير المنفجرة في الموصل لعقد من الزمن"
وأضاف "لودهامر" أنالذخائر التي أسقطت من الجو والقنابل التي تزن الواحدة منها 500 رطل، تخترق الأرض لمسافة 15 مترا أو أكثر، وأن مجرد إخراج الواحدة منها يستغرق أياما وأحيانا أسابيع.
من جانبه ضابط في مديرية الدفاع المدني في محافظة نينوى، تحدث لوكالة "يقين" شريطة عدم الكشف عن هويته نظرا للإجراءات التي تتبعها إدارة المحافظة في سبيل عدم الكشف عن المستور، بحسبه، يقول: إنه لا توجد لديهم أي إحصائيات عن كمية المواد المتفجرة والمخلفات الحربية في الموصل، والتي ما زالت تشكل خطرا يحدق بأهل المدينة،.
وأضاف أنه حتى القوات الحكومية لا تملك إحصائيات، أو أي مسح ميداني يحدد أماكن المتفجرات غير المنفلقة في الموصل، بحسبه.

وعن عدد البيوت المفخخة التي استطاع الدفاع المدني تحديدها في الموصل؛ يقول المصدر: إنه في المدينة القديمة وحدها في الموصل، فإن فِرَق الدفاع المدني استطاعت إحصاء 75 دارا مفخخة لم تعالج بعد، بحسب المصدر.
من جانب آخر، وعلى صعيد ذي صلة، يقول الملازم أول "محمد الشرابي" وهو ضابط في الفرقة العشرين التابعة للجيش الحكومي في الموصل، يقول في حديثه لوكالة "يقين": إن طبيعة الحرب التي جرت في الموصل كانت عشوائية، من حيث أن المعركة كانت غير نظامية، وبالتالي فإن "تنظيم الدولة" تعمد تفخيخ أي شيء يقابله في سبيل عرقلة القوات الحكومية آنذاك.
وأضاف "الشرابي"، أن القوات الحكومية أيضا استخدمت الصواريخ ومدافع الهاون، وأن بعض الذخائر التي استخدمت لم تنفجر، وبالتالي فإنها ما زالت تشكل خطرا على السكان.
وفيما يخص جهود الجيش في رفع هذه المتفجرات وجمعها، يقول "الشرابي":إنهم في كل أسبوع يكتشفون أماكن جديدة في الموصل فيها ألغام، أو يتم الإبلاغ عن بيوت مفخخة لم تعالج بعد، وإنهم من خلال الجهد الهندسي التابع للجيش الحكومي يتوجهون إلى تلك المناطق ويفعلون اللازم، بحسبه.
وعن كمية المتفجرات والعبوات غير المنفجرة التي أُزيلت من قبلهم، اختتم حديثه بالقول: "تمكنا خلال الأحد عشر شهرا الماضية من جمع ما يقرب من خمسين طنا من المخلفات الحربية والمتفجرات غير المنفلقة"، بحسب "الشرابي".
الموصليون يشكون من بطء عمل المنظمات الدولية
تعمل منظمات دولية عديدة مختصة بنزع الألغام في الموصل، ومن بينها منظمة الأمم المتحدة المعنية بنزع الألغام UNMASS، استطاعت وكالة "يقين" التحدث مع أحد موظفي هذه المنظمة وهو "جورج بيير"، الذي يعمل ميدانيا مشرفا على جهود المنظمة في رفع الألغام في الموصل، حيث قال لوكالتنا: إنهم يعملون منذ قرابة سبعة أشهر على جمع المخلفات الحربية من المدينة، وخاصة من الجانب الغربي فيها "الجانب الأيمن".
وأضاف "بيير"، أن عملهم يعتمد على المسح الميداني للمناطق التي تصلهم معلومات عنها تفيد بوجود مخلفات حربية، وأن طبيعة العمل خطرة وبطيئة، وتحتاج وقتا كبيرا، بحسبه.
من جانبه المواطن "أبو أحمد" أحد سكان منطقة "خزرج" في الجانب الغربي من الموصل، يقول في حديثه لوكالة "يقين": إن منطقتهم مليئة بالمتفجرات والعبوات غير المنفلقة، فضلا عن مخلفات حربية أخرى.
"إن منطقتهم مليئة بالمتفجرات والعبوات غير المنفلقة، فضلا عن مخلفات حربية أخرى"
ويضيف، أنه ومجموعة من العوائل التي كانت تسكن تلك المنطقة يعكفون على العودة إلى منازلهم نظرا لارتفاع أسعار الإيجارات بعد الحرب، لكن ما يعيقهم هو المتفجرات والمخلفات الحربية وخطورتها.
ويتابع المواطن "أبو أحمد"،أن فرقا أممية دخلت منطقتهم ورفعت بعض الألغام، لكن "أبا أحمد" يصف عملهم بـ"البطيء جدا"، حيث وكما يقول "أبو أحمد": فإن عملهم اليومي لا يزيد عن مدة أربع ساعات فقط، وإنهم لم يكملوا حتى الآن ربع المنطقة، بحسبه.

وفي خلال البحث أكثر في حيثيات هذا الموضوع، تواصلت وكالة "يقين" مع "عادل جبر"، وهو موظف يعمل في شركة لنزع الألغام في الموصل، وهي شركة أوبتيما "OPTEMA"، يقول "عادل": إن شركتهم تعمل مع منظمة الأمم المتحدة لنزع الألغام UNMASS.
ويضيف، أن عملهم يتمحور حول المسح الميداني للمناطق، وتقديم تقارير بأماكن وجود تلك الألغام وتثبيتها على الخرائط، ثم رفعها، وحول آلية عمل شركتهم والمدة التي يقضونها يوميا في العمل، يضيف "جبر" أن مدة عملهم اليومي تتراوح بين 3-4 ساعات في اليوم.
وعن سبب قصر مدة العمل اليومي في مقابل الكم الهائل من المتفجرات والمخلفات الحربية المنتشرة في المدينة، يقول الموظف في شركة نزع الألغام: إن آلية العمل محددة من قبل منظمة UNMASS، ولا سلطة لهم في تغيير قواعد عمل المنظمة.
وعن المعدات التي تستخدمها فرق عملهم في الكشف عن المتفجرات، يختتم حديثه لوكالتنا: إنه من مجموع 4 فِرَق لشركتهم تعمل في الموصل، فإن فريقا واحدا فقط لديه أجهزة مسح الكترونية SCANNER تستخدم في عملية رفع المتفجرات، وعن سبب قلة عدد الماسحات الالكترونية، أضاف "جبر" أن هذه الأجهزة زودت منظمة UNMASS شركتهم بها، وأنها أي المنظمة لا تسمح لشركتهم باستخدام الأجهزة الخاصة بها، بحسبه.
ضحايا المخلفات الحربية.. مأساة لا تنتهي

قصص إنسانية لا تنتهي في الموصل، ضحاياها هم موصليون، قُتِلوا نتيجة المخلفات الحربية، "صفوان الجبوري" مزارع في الموصل، يقول: إن والده قُتِل في كانون الثاني (يناير) الماضي، نتيجة انفجار عبوة ناسفة من مخلفات الحرب الأخيرة.
يقول "الجبوري" في حديثه لوكالة "يقين": إن والده قُتِل نتيجة إصابة بالغة تعرض لها وهو في طريقه إلى مزرعته في منطقة "يارمجه" الشرقية شرق الموصل، وإن والده توفي بعد يومين من تعرضه للإصابة.
ويختتم بالقول:"إن والده وأثناء ذهابه مشيا على الأقدام إلى مزرعتهم القريبة من دارهم، فإنه سلك طريقا من بين المزارع في سبيل اختصار المسافة، غير أنه لم يكن يعلم أن هذا الطريق كان يضم عبوات ناسفة، ما أودى بحياته"، بحسب "الجبوري".
وما بين تصريحات الأمم المتحدة التي تشير إلى مدة عشر سنوات مقبلة في سبيل تخليص الموصل من المخلفات الحربية، وبين الكم الكبير من المخلفات الحربية المنتشرة في مناطق وأزقة المدينة، تزهق أرواح الموصليين في وضع لم يكن لهم فيه أي ذنب.