قسم التقارير - العراق
لا يختلف القطاع الصحي في العراق عن غيره من القطاعات التي تعاني ما تعاني منذ عام 2003، تاريخ الغزو الامريكي للبلاد، ويعد قطاع الصحة من أكثر القطاعات التي توليها الدول اهتماما نظرا لما لها من تماس مباشر مع حياة الانسان والنمو.
يعتمد العراق منذ عشرات السنين نظام التعيينات المركزية لخريجي الكليات والمعاهد الطبية، والتي تشمل كليات الطب البشري وطب الاسنان والصيدلة والمعاهد الطبية بمختلف تخصصاتها، ورغم الكم الهائل من خريجي الكليات الطبية الذين يتخرجون كل عام ويتم تعيينهم في وزارة الصحة، إلا أن البلاد لا زالت تعاني من نقص كبير في الكوادر الطبية، ما يطرح تساؤلات عدة عن حقيقة هذه الازمة ومسبباتها والخلل في وزارة الصحة والقوانين التي تنظم عمل الملاكات الطبية.
آلاف الأطباء يعينون سنويًا في العراق
ويبلغ عدد كليات الطب البشري في العراق 17 كلية موزعة على محافظات العراق، جميع هذه الكليات حكومية، بينما يفوق عدد كليات طب الاسنان والصيدلة الـ70 كلية لكل تخصص، نظرا لسماح وزارة التعليم العالي والبحث العلمي بافتتاح كليات طب اسنان وصيدلة أهلية من دون السماح بافتتاح كليات أهلية للطب العام، حيث يقول المستشار السابق في وزارة التعليم العالي العراقية الدكتور "ذنون يونس" في حديث لوكالة "يقين" إن الوزارة سمحت منذ سنوات بافتتاح كليات أهلية لطب الاسنان والصيدلة، وتضخم عدد هذه الكليات الأهلية، وكانت خطة الوزارة تقضي برفد القطاع الصحي في البلاد بكوادر طبية اضافية ودعم الصحة العامة في البلاد.
ويؤكد أن "النتائج كانت مرضية للوزارة في بادئ الأمر خاصة في العاصمة بغداد، إلا أنه ظهرت مؤخرا مشاكل في هذه الكليات تتمثل بتدني المستوى العلمي لبعض الكليات الطبية الاهلية مقارنة مع الحكومية منها"، مضيفا أن "الوزارة قد تعمد إلى وضع آلية جديدة لدراسة الطب في الجامعات الأهلية".

وتشير تقارير إعلامية إلى أن عام 2014 وحدهشهد تعيين 2890 متخرجا من الكليات الطبية، وقال مدير إعلام وزارة الصحة الدكتور "أحمد الرديني"خلال تصريح صحفي أن"وزارة الصحة أصدرت أمرا بتعيين 858 من خريجي كليات طب الاسنان و1339 من خريجي كليات الطـب و693 من خريجي كليات الصيدلة للعام، وهذا لخرجي الدور الأول فقط".
ورغم أن وزارة الصحة تعين ذات العدد تقريبا في كل عام على الملاك الطبي، إلا أن البلاد تعاني من مشكلة في نقص الكوادر الطبية، من جانبه الدكتور "ع. الدليمي"-رفض الكشف عن اسمه مقابل الحديث- والذي يعمل في دائرة صحة بغداد بقاطع الكرخ ؛ يقول لوكالة "يقين" إن "الوضع الإداري في القطاع الصحي في العراق سيء للغاية، وإن الوزارة لم تعدل أو تضع لوائح جديدة تنظم عمل الكوادر الطبية في البلاد، وإنها أي وزارة الصحة تعتمد ذات القوانين واللوائح المعتمدة منذ سبعينات القرن الماضي".
"نقص الكوادر الطبية في العراق ليس ناجما عن قلة عدد الأطباء فقط، فالمشكلة الأكبر تكمن في توزيع هذه الكوادر وتحديد الية عملها"
ويؤكد الدليمي أن "المشكلة في نقص الكوادر الطبية في العراق ليس ناجما عن قلة عدد الأطباء فقط، فالمشكلة الأكبر تكمن في توزيع هذه الكوادر وتحديد الية عملها"، ويضيف أن "الانفلات من الدوام الرسمي في المؤسسات الصحية بلغ ذروته خلال السنوات الخمس الماضية، وإن كثيرا من الاطباء والصيادلة يعملون سخرة لدى الوزارة، على الرغم من أن رواتبهم مجزية مقارنة بالدول المجاورة".
ويتابع الدكتور الدليمي حديثه للوكالة عن عدم وجود قوانين تحدد الية عمل الاطباء أدى إلى أن "الطبيب أو الصيدلاني يتحين الفرص للعمل في المشافي الخاصة والعيادات والمذاخر"، اضافة إلى عمله الرسمي لدى وزارة الصحة، ما يؤثر إلى حد كبير على الخدمة التي تقدمها الكوادر الطبية للمرضى"، بحسبه.
تسرب الأطباء إلى المستشفيات الأهلية والعيادات
وأدى افتقار وزارة الصحة إلى قوانين ولوائح تضبط عمل الأطباء في البلاد إلى تسرب أعداد كبيرة من الأطباء للعمل في المستشفيات والعيادات الخاصة، فالمستشار لدى وزارة التخطيط المهندس "ح.ف"-حيث رفض الكشف عن اسمه لأسباب إدارية-، يقول في حديثه لوكالة "يقين" إن "وزارتي التخطيط والصحة شخصتا هذه المعضلة وهي تسرب أعداد كبيرة من الكوادر الصحية للعمل في المستشفيات الخاصة والعيادات".
وأشار إلى أن "البيروقراطية الادارية التي تحكم العراق تحول دون تفعيل قانون العمل وتحديثه ليطابق ما معمول به عالميا، وهو أن الطبيب أو الصيدلاني الذي يعمل ضمن وزارة الصحة لا يحق له افتتاح عيادة خاصة أو العمل في المستشفيات الأهلية، وهذا الاجراء سيضبط عمل الكوادر الصحية الى حد كبير فيما لو طُبِق".
وأضاف المصدر في حديثه الخاص أن "هذه المعضلة تكمن أيضا في التخصصات الهندسية، إلا أن تأثيرها أقل وطأة مقارنة بالمهن الطبية وتأثيرها على حياة الانسان وصحته، مؤكدا في ختام حديثه للوكالة أنه"لا حل يلوح في الأفق في ظل عدم تفعيل قانون العمل اضافة إلى البيروقراطية الادارية القديمة المسيطرة على طريقة عمل الوزارات العراقية"، بحسبه.

تقصير المستشفيات الحكومية
ولا يقف تدهور القطاع الصحي في العراق على تسرب الأطباء من وظائفهم بل يمتد كذلك الى تقصير الأطباء في عملهم حتى أثناء تواجدهم على رأس وظيفتهم، من جانبه الدكتور "صلاح محمد" والذي يعمل في دائرة صحة نينوى، يقول في حديث لوكالة "يقين" إن "الوضع الإداري في المحافظة سيء للغاية حاله كحال بقية محافظات العراق"، مشيرا إلى أن الأطباء الاستشاريين يقتصر عملهم على ثلاثة أيام في الاسبوع كحد أقصى.
" قوانين العمل غير مفعلة في العراق"
ويضرب صلاح مثالا عن أحد أطباء الانف والاذن والحنجرة المعروفة طبيا بتخصص "E.N.T" حيث يقول إنه "وردت شكاوى عديدة إلى دائرة صحة نينوى بخصوص تعامل هذا الطبيب مع مرضاه في المستشفيات، وأن هذا الطبيب دائما ما يتمنن على مرضاه في المستشفى، على الرغم من أن راتبه يصل إلى ثلاثة ملايين دينار ونصف شهريا -2.900 دولار-"، وبحسب صلاح فإن تعامله مع مرضاه يختلف كليا في عيادته الخاصة التي يتقاضى فيها 15 الف دينار -12 دولارا- مقابل كل مريض.
وعن الاجراءات التي قد تتخذ بحق هذا الطبيب أو غيره، يشير الدكتور في دائرة صحة نينوى إلى أن قوانين العمل غير مفعلة في العراق، وإنه ما لم تضع الوزارة حدا لعمل الاطباء المزدوج في المستشفيات الحكومية والخاصة في آن معا، فإن لا حل لهذه المشكلة ولن تستطيع وزارة الصحة أو دائرة صحة نينوى فعل اي شيء لهذه الحالة أو الحالات المشابهة، بحسبه.
خبراء: الاستعانة بكوادر أجنبية سيحل جزءا من المشكلة
إلى ذلك فإن الدكتور "حسام الهنداوي" وهو أحد العاملين في وزارة الصحة قبل الغزو الامريكي للبلاد، أشار في حديثه لوكالة "يقين" الى أن مشكلة نقص الكوادر الطبية يمكن أن تحل جزئيا من خلال التعاقد مع أطباء أجانب من الهند وغيرها، مضيفا أن "مشكلة نقص الكوادر الطبية وتسرب الاطباء من عملهم، يمكن أن يحل من خلال إجراءين اثنين، أولهما: تعديل لوائح عمل الاطباء المعتمدة لدى وزارة الصحة وتحديد العمل في القطاع العام أو الخاص، وهذا ما معمول به في الدول المجاورة كالأردن وتركيا والسعودية".
ويضيف الهنداوي أن "الإجراء الثاني يتمثل في تعاقد الوزارة مع أطباء كفوئين من الهند والذي قد لا يزيد راتب أعلى تخصص منهم عن الثلاثة آلاف دولار بساعات عمل تصل إلى تسع ساعات يوميا، وبهذا تضع وزارة الصحة الاطباء الاختصاص في العراق أمام خيارين إما العمل في القطاع الحكومي وبراتب مجز، أو العمل في القطاع الخاص دون الالتزام بالعمل لدى الوزارة"، بحسبه.
وفي ختام حديثه أكد الدكتور الهندي -الذي يعمل حاليا في أحد مستشفيات دولة الامارات العربية المتحدة-، أن "الأطباء في العراق بصورة عامة استغلوا ضعف القوانين وجمعوا بين العمل الحكومي والخاص في المستشفيات والعيادات والمنظمات الطبية الدولية التي باتت تعمل في العراق مؤخرا".

إيقاف تعيين خريجي الصيدلة وطب الأسنان
في سابقة تعد الأولى منذ عشرات السنين، أعلنت وزارة الصحة أن الوزارة في العراق ستوقف التعيينات المركزية لخريجي كليات طب الاسنان والصيدلة الحكومية منها والأهلية مع الابقاء على تعيين خريجي كليات الطب العام، وكان مصدر مسؤول في وزارة الصحة قد كشف لوسائل الاعلام في نيسان/ أبريل الماضي أن "التعيينات المركزية لطب الاسنان والصيدلة ستتوقف ابتداء من عام 2019 لعدم توفر الدرجات الوظيفية".
نقص في الكوادر الطبية وتسرب البعض منها من العمل، اضافة إلى ايقاف التعيينات المركزية سيضيف مشكلة أخرى إلى الوضع الصحي في العراق، الذي قد ينعكس مباشرة على حياة المرضى.