قسم التقارير - التأميم
"كأننا نعيش في سجن، لا نستطيع التحرك بعد الخامسة مساءً"، كلمات يصف بها المواطن "غسان علي" من قضاء "طوزخورماتو" الوضع في المدينة، يتحدث غسان لــ"وكالة يقين" قائلًا: إن الوضع حرج جدًا في المدينة، كل يوم ومع حلول المساء، نسمع أصواتَ الاطلاقات النارية والقذائف الصاروخية، اشتباكات تستمر لساعات، ولا نعرف ما الذي يحصل، ثم في صبيحة اليوم التالي تأتي الأخبار بأن ميليشيا الحشد الشعبي أو الشرطة الاتحادية قد تعرضوا لهجوم من مسلحين، يضيف "غسان".
سجن كبير نعيش فيه في "طوزخورماتو" والمناطق المحيطة بها، ويقول "غسان": إن الخروج من المدينة بعد الخامسة مساءً يعد انتحارًا بكل المقاييس، لا نجازف بالخروج، بعض من أهل المدينة تعرضوا لمضايقات من القوات الحكومية، وبعضهم اعتقلوا ولا نعرف مصيرهم، آخرون كانوا أقل حظًا، حيث اعترضهم مسلحون في الطريق وقُتلوا، ولا نعرف من قتلهم.
"الحكومة المركزية وقواتها تنتهج نهجًا انتقاميًا من الأكراد المقيمين في الطوز وكركوك"
وتشهد محافظة "التأميم" -بصورة عامة- وضعًا أمنيًا مضطربًا منذ استعادة القوات الحكومية السيطرة عليها من قوات البيشمركة في تشرين الثاني/ نوفمبر من العام الماضي، يقول المحلل الأمني "رياض العلي" لــ"وكالة يقين": إن الوضع الذي تشهده "كركوك" غير مطمئن البتّة، ويضيف، أن المدينة مقبلة على مزيد من الاضطراب الأمني -بحسب رأيه-، ويعزو "العلي" ذلك إلى أسباب عدة، أولها: إن القوات الحكومية لم تكمل ما بدأته في العمليات العسكرية التي استهدفت مسلحي "تنظيم الدولة" في محيط مدينة كركوك، وخاصةً في "الحويجة" وما يجاورها، ويرجع "العلي" سبب عدم إحكام القوات الحكومية السيطرة عليها إلى أن القوات التي شاركت في استعادة السيطرة على "الحويجة" و"الطوز" من الأكراد لم تكن كفوءة؛ بل كانت قوات ميليشياوية كان هدفها الأول الانتقام من أهل المنطقة والتنكيل بهم.
أما السبب الثاني الذي ذكره المحلل الأمني للوكالة: إن شكوكًا كبيرة تحوم حول جهات كردية تعمل تحت مسمى "تنظيم الدولة"، وتستهدف القوات الحكومية في "كركوك" عامة، ويضيف "العلي"، أن الأكراد وقوات البيشمركة منذ سيطرتها على "كركوك" في حزيران/ يونيو عام 2014 إثر تقهقر الفرقة 12 في الجيش الحكومي، فإنهم -أي الأكراد- عملوا على بناء خلايا مخابراتية وأمنية في عموم المناطق التي خضعت لسيطرتهم، ومن غير المستبعد أن هذه الخلايا الكردية هي من تستهدف القوات الحكومية، إضافةً إلى مسلحي "تنظيم الدولة -بحسب العلي-.

اتهامات للأكراد ومسلحي "تنظيم الدولة" بشن الهجمات
حيث تتعدد الاتهامات للجهات التي تقف وراء العمليات التي تستهدف القوات الحكومية وميليشيا الحشد الشعبي، الملازم في ميليشيا الحشد "علي الحيدري" قال في حديث لــ"وكالة يقين": إن الأسابيع الأخيرة تشهد تصاعدًا مطردًا في استهداف قوات الحشد الشعبي، وبقية صنوف القوات الحكومية.
"يتحدث "الحيالي" عن بداية سخط شعبي بين المدنيين من الوضع الأمني في "كركوك""
وأضاف "الحيدري"، أن "كركوك" المدينة و"الطوز" و"الحويجة"، وما حول هذه المدن؛ تشهد عمليات استهداف للقوات الحكومية، وعن الجهة التي تستهدف القوات الحكومية في هذه المناطق، يقول "الحيدري": "أن معلومات استخباراتية وردت إلى مقرّ قيادة العمليات، تفيد بأنّ الأكراد هم من يقفون وراء الهجمات في كركوك المدينة، وبعض العمليات في الطوز، أما الكمائن التي تعرضت لها القوات الحكومية في الحويجة وما حولها؛ فهي من أفعال مسلحي تنظيم الدولة"، بحسب "الحيدري".
أما الصحفي الكردي "هاكان علي" يقول في حديثه لـ"وكالة يقين": إن الحكومة المركزية وقواتها تنتهج نهجًا انتقاميًا من الأكراد المقيمين في الطوز وكركوك، حيث أنّ القوات التي شاركت في العملية العسكرية في تشرين الأول/ نوفمبر الماضي عملت على خطة للتطهير القومي في الطوز.
ويضيف علي، أن ميليشيا الحشد الشعبي حرقت عشرات البيوت في الطوز إبان العمليات، أما في كركوك المدينة فإن قوات الشرطة الاتحادية تستهدف الأكراد بـالاعتقال والتنكيل، واضطرّ عدد كبير من الأكراد إلى مغادرة المدينة باتجاه محافظتي أربيل والسليمانية، بحسب الصحفي.
الوضع الأمني في "كركوك" نحو الأسوأ
الصحفي "رغيد الحيالي" من محافظة "التأميم"، وتحديدًا من مدينة "كركوك"، يتحدث لــ"وكالة يقين"، ويصف الوضع في المدينة بأنه شبيه بالوضع الذي كان في "الموصل" قبيل عام 2014.
ويتحدث "الحيالي" عن بداية سخط شعبي بين المدنيين من الوضع الأمني في "كركوك"، خاصةً أنه يتجه نحو الأسوأ، مشيرًا إلى تصاعد واضح في عدد ونوعية العمليات التي تستهدف القوات الحكومية في المدينة.
"أسوأ ما تعانيه محافظة "التأميم" هو عدم الثقة بين المواطن والأجهزة الأمنية"
جهد استخباراتي يكاد يكون معدومًا في "كركوك" و"الطوز" و"الحويجة"، ولم تتمكن القوات الحكومية خلال الأشهر الماضية من إلقاء القبض على أي مسلح استهدف القوات الحكومية، وفي هذا الصدد، يرى "الحيالي" أن السنوات التي كانت فيها "كركوك" وما حولها تحت سيطرة الأكراد، فإن "كركوك" كانت آمنة، ويعزو الاضطراب الأمني الحالي في "كركوك" إلى أن الحكومة المركزية فقدت الزخم الأمني الذي كانت تتمتع به قبل 2014، وبالتالي فإنّ المدينة تشهد عمليات ابتزاز وسلب وسرقة للسيارات أيضًا، وكأن المدينة تخلو من أي قوة أمنية -بحسب الحيالي-.
إلى ذلك فمنطقة "المُصلَى" في مدينة "كركوك"، كانت إحدى المناطق التي استُهدِفَت فيها قوات جهاز "مكافحة الإرهاب"، حيث تحدث المواطن "إبراهيم عمر" من سكان منطقة المُصلَى لــ"وكالة يقين" عن الحادثة التي مضى عليها أكثر من شهر، حيث قال: إنه -وبعد منتصف الليل- شهدت منطقتهم صوت انفجار قويّ، ثم أعقبه إطلاق نار كثيف استمر قرابة عشر دقائق، ثم عمّ السكون في المنطقة مرة أخرى.
ويضيف "عمر"، أنه -وفي صبيحة اليوم التالي- تبين أن مسلحين مجهولين استهدفوا مقرًا لقوات جهاز "مكافحة الإرهاب" في المُصلى -شقق صدام سابقًا- بقذيفة RBG7، ثم اشتبكوا مع حماية المقرّ ثم لاذوا بالفرار، وأضاف "عمر" أن الغريب في الموضوع أنه لم ينشر أي خبر عن العملية في وسائل الإعلام.

أحداثٌ كثيرة وانفلات أمني في محافظة "التأميم"، خاصة في منطقَتَي "الطوز" و"كركوك" المدينة، من جانبه المواطن "سامي عبد الرحمن" صاحب محل لصياغة الذهب في "كركوك"، تحدث لــ"وكالة يقين" عن الحالة الأمنية في "كركوك"، وعما تشهده المدينة من انفلات.
يقول "سامي": إن حالة من عمليات التهديد والابتزاز بدأت منذ شهرين في مدينة "كركوك"، ويضيف "عبد الرحمن" أن كثيرًا من التجار وأصحاب محلات الصيرفة بدأت تردها تهديدات بوجوب دفع مبالغ مالية طائلة أو القتل –بحسبه-، ويضيف "عبد الرحمن" أن الوضع في المدينة في حال استمر على ما هو عليه؛ فإن كثيرًا من التجار -وخاصةً من الأكراد- سيغلقون محالهم، وقد ينتقلون إلى مدن إقليم كردستان.
فشل أمني وعسكري واستخباراتي في التأميم
"تعدد جهات اتخاذ القرار وتعدد القوات في المحافظة؛ تجعل من الصعوبة بمكان ضبط الوضع الأمني"
رغم الإجراءات الأمنية، التي تقول السلطات الحكومية: إنها اتخذتها في سبيل الحدّ من الانفلات الأمني في المحافظة، إلا أن الواقع يشي بخلاف ذلك، فقد شهدت محافظة "التأميم" خلال الأسبوع الماضي عشرات الخروق الأمنية، لعل أبرزها مقتل عائلتين وسائق على طريق "الطوز"- "داقوق"، إثر تعرضهم لإطلاق نار من سيطرة وهمية كانت على الطريق، ما يكشف عن حجم الفراغ الأمني الذي تعيشه مناطق "الطوز" وما حولها.
"عبد اللطيف الجبوري" سائق سيارة أجرة من منطقة "الطوز" تحدث لــ"وكالة يقين" عن الوضع الأمني باعتباره صاحب سيارة أجرة بين "الطوز" والمدن الأخرى، يقول "الجبوري": إن الوضع في الطرق الخارجية ما بين "الطوز" وبقية المدن سيء للغاية، وإنه شخصيًا يفكر بالخروج من المدينة لفترة، ريثما تهدأ الأوضاع.
ويضيف "الجبوري"، أنه خلال الأشهر الماضية كان سائقو السيارات يتجنبون الخروج من "الطوز"، أو التوجه إليها ليلًا بعد أحداث أمنية عدّة شهدتها الطرق المحيطة بالمدينة، لكن خلال الشهر الماضي بات الطريق غير آمن، حتى في الصباح وخلال ساعات النهار، ويختتم "الجبوري" حديثه بالقول: إن مدينة "الطوز" شبه محاصرة؛ بسبب الانفلات الأمني، وإن ذلك يؤثر حتى في أسعار المواد الغذائية والإنشائية التي شهدت ارتفاعًا مطردًا -بحسبه-.

ضابط: تدهور الأمن بسبب تعدد جهات اتخاذ القرار
روايات متعددة للأحداث في "كركوك"، ويبدو أن كل جهة لها تفسيرها الخاص بالوضع، المقدم "إ.س" في الشرطة المحلية لمدينة "كركوك" -فضل عدم الكشف عن هويته-، قال لــ"وكالة يقين": إن الوضع الأمني المتردي في "الطوز" و"كركوك" و"الحويجة" يعود إلى تعدد جهات اتخاذ القرار في المدينة، وإن كل جهة تأتمر بأوامر مسؤوليها فقط.
ويضيف المصدر، أن أسوأ ما تعانيه محافظة "التأميم" هو عدم الثقة بين المواطن والأجهزة الأمنية، خاصة قوات الحشد الشعبي وقوات الشرطة الاتحادية، التي قدِمت مؤخرا إلى المدينة، حيث تتعامل هاتان الجهتان مع المواطنين بطريقة تعسفية، تجعل من المستحيل الوثوق بهم، خاصة أنهم يستفزون السكان بِطُرُق قومية وطائفية، بحسبه.
وعن مسؤولية جهاز مكافحة الإرهاب المنتشر في "كركوك"، يقول المقدم: إن مهمة جهاز مكافحة الإرهاب تتمثل بأنها قوة ضاربة في حالة الاشتباك المباشر، وليس من اختصاصها التعامل المباشر مع المدنيين والعمليات الخاطفة، وأضاف أيضًا، أنه وعلى الرغم من أن قائد عمليات فرض القانون في مدينة "كركوك" اللواء "سعد معن"، هو قائد في جهاز مكافحة الإرهاب في ذات الوقت، إلا أن الشرطة الاتحادية وقوات الحشد الشعبي لا تلتزم تمامًا بتعليمات العمليات فرض القانون -بحسب المصدر-.
يبدو أن الوضع في "كركوك" لن يشهد تحسنًا أمنيًا في المدى المنظور، خاصة أن تعدد جهات اتخاذ القرار وتعدد القوات في المحافظة؛ تجعل من الصعوبة بمكان ضبط الوضع الأمني في محافظة لها حدود مشتركة مع محافظات غير مستقرة أيضًا.ن أن ال