في تقرير من 116 صفحة صدر عام 2019 عن نائبة مدير قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في منظمة هيومن رايتس ووتش، قالت "لمى فقيه"، إن السياسيين قصيري النظر "يتخذون من زيادة هطول الأمطار سبباً لعدم حاجتهم للتعامل بشكل عاجل مع أزمة البصرة المستمرة، لكن البصرة ستستمر في مواجهة نقص حاد في المياه وأزمات تلوّث في السنوات المقبلة، مع عواقب وخيمة، إذا لم تستثمر الحكومة الآن في تحسينات مُستهدَفة وطويلة الأجل ومطلوبة بشدة". ولحقت السنتان اللتان أعقبتا تقرير "لمى فقيه"، بعقود مرت على مدينة البصرة، وهي تعاني رداءة مياه الشرب وشحتها، دون أن تستجيب الحكومة لمناشدات المنظمات الإنسانية الدولية ولأهالي المحافظة، فتلتفت للوضع الصحي المزري للمدينة ، الناجم عن رداءة وشحة المياه، رغم أن البصرة هي المحافظة التي يلتقي فيها نهرا دجلة والفرات ليشكلا شط العرب، الأمر الذي يفترض أن يجعلها أكثر المحافظات وفرة بالمياه. وتسبب تلوث مياه البصرة عام 2018 ، بدخول 118 ألف شخص على الأقل إلى المستشفى، إندلعت على إثره تظاهرات صاخبة قمعتها القوات الحكومية، دون أن تضع حداً لهذه المأساة. وأظهرت صور للأقمار الصناعية حللها خبراء هيومن رايتس ووتش تكاثراً كبيراً لطحالب ضارة منتشرة على طول شط العرب، اعتبرتها دليلاً محتملاً لأزمة 2018 ، بالإضافة لتراكم النفايات حول القنوات التي تصب في شط العرب، في أنحاء متفرقة من البصرة. وأظهرت الصور أيضاً "تسرّبين نفطيين محتملين في شط العرب وسط البصرة خلال 2018، بالإضافة إلى خطي أنابيب تحت الأرض يُطلقان دورياً ما يبدو أنه كميات كبيرة من المخلّفات في المياه" وفق ما أورده موقع المنظمة الدولية.
قطعت ايران 35 رافداً رئيسياً ، والمتبقي هو فقط 7 روافد ، كما تعتزم بناء نواظم وسدود جديدة متجاهلة اتفاقية عام 1975 التي تتضمن بروتوكولاً خاصاً بالمياه
أسباب أخرى للتلوث
وتسببت شحة المياه العذبة بتسرّب مياه البحر إلى شط العرب، للدرجة التي جعلتها غير صالحة لا للشرب ولا للإستهلاك المنزلي، ولا لري المحاصيل الزراعية. كما أن تلوث المياه كان سبباً محتملاً لانتشار الفيروسات (مثل النوروفيروس)، والطفيليات والبكتيريا الضارة والمعادن السامة من مياه الصرف الصحي والتلوّث الزراعي والصناعي، ثم جاء انتشار الوباء ليجعل الأمر أكثر تعقيداً. وتتركز أزمة مياه البصرة على تناقص تدفق المياه العذبة في الأنهار لأسباب عديدة، تقف في مقدمتها إقامة السدود في إيران بلد منبع هذه المياه. ونقلت مصادر صحفية ماجاء في تقارير دولية عن حجم المياه التي يخسرها العراق بالقول إنها تعادل 50% مما كان يحصل عليه في النصف الأول من القرن الماضي. وأكدت لجنة الزراعة والمياه النيابية خسارة العراق في السنوات العشر الاخيرة حوالي 80% من المياه المتدفقة إليه من إيران، التي قطعت 35 رافداً رئيسياً ، والمتبقي هو فقط 7 روافد ، وأن طهران تعتزم بناء نواظم وسدود جديدة عليها، متجاهلة اتفاقية عام 1975 التي تتضمن بروتوكولاً خاصاً بالمياه، ولا تبدو لهذه الأزمة نهاية على المدى القريب ، بل أن التوقعات تشير لتفاقمها لعدم وجود سياسات مناسبة لوضع حلول حقيقية. وبحسب تقارير منظمة حقوق الإنسان الدولية، فإن أكثر من 300 ألف من سكان محافظة البصرة ليسوا متصلين بشبكة المياه والصرف الصحي، مما يدفع البعض إلى الاستفادة بطريقة غير مشروعة من إمدادات المياه، مما يتسبّب في التلوّث وانخفاض ضغط المياه والهدر".
بريطانيا على الخط
وزار السفير البريطاني في العراق "ستيفن هيكي" شباط الماضي البصرة، وأدلى بتصريح صحفي وصف فيه علاقة بلاده بهذه المحافظة "بالعلاقة التاريخية الوطيدة ". وتاريخياً كانت قوات بلاده قد دخلت إلى العراق عن طريق البصرة غازيةً أبان الحرب العالمية الأولى ، وتمركزت فيها قبل أن تواصل طريقها إلى بغداد، ومن جديد كانت البصرة من حصة الجيش البريطاني بعد إحتلال 2003 .
وتحدث "هيكي" عن مشكلة المياه في المحافظة، ودعم بلاده لها لحل هذه المشكلة بالقول "لدينا القرض البريطاني، وأتمنى أن يكون هناك اتفاق قريب بين الحكومة العراقية وشركة باي ووتر البريطانية، لاستثمار كبير جداً في مجال توفير مياه صالحة للشرب في البصرة." وتعود قصة شركة باي ووتر ومشروع تحلية المياه إلى الفترة التي تولى فيها حيدر العبادي رئاسة الحكومة، ولم تثمر جولات من المفاوضات معها عن نتيجة تذكر، حيث اعترضت المحافظة على رفع فائدة القرض البريطاني، ورفع المبالغ من 5 إلى 15 مليار دولار، ومن ثم إلى 70 مليار دولار، بحسب مصادر صحفية. وقدم مجلس المحافظة حينها اعتراضاً لرئيس الوزراء بخصوص شركة باي ووتر التي تعتزم إنجاز المشروع، تضمن مستمسكات توضح " طبيعة الاعتراض على الشركة، فضلاً عن اعتراضه على اللجنة التي قامت بالتفاوض معها"، بحسب تصريح أدلى به حينها رئيس المجلس لإذاعة محلية.
هدف الشركة هو فقط جعل الحكومة العراقية توقع على العقد ثم تنسحب بحجة عدم توفر بيئة آمنة لتنفيذ المشروع، وتلجأ إلى المحاكم لتغريم العراق مبالغ كبيرة
"باي ووتر" مفلسة
ومؤخراً عاد الحديث عن باي ووتر التي امتدحها السفير البريطاني، ومشروع تحلية ماء البصرة، بعد أن كشفت مصادر نيابية أن هذه الشركة "مفلسة ومقترضة". وطالبت النائبة عالية نصيف الجهات ذات العلاقة، بالخروج عن صمتها بعد افتضاح أمر الشركة. وقالت نصيف في بيان أصدرته مطلع الشهر الجاري "إن إحالة مشروع حيوي ينتظره أهالي البصرة، ويعقدون عليه آمالهم إلى شركة باي ووتر هو جريمة بحق البصريين، وهدر للمال العام، فهل يجوز أن يعطى هذا المشروع المهم إلى شركة فاشلة، إتضح من خلال مراجعة حساباتها الختامية أنها مفلسة، واضطرت لاقتراض 82 ألف باوند، والعاملون فيها هم فقط صاحب الشركة وأولاده، وإذا حاولت أي جهة أن تنفي ذلك فلتقدم لنا عدد العاملين في الشركة ومجموع رواتبهم وآخر حساباتها". وأكدت نصيف "إن هدف الشركة هو فقط جعل الحكومة العراقية توقع على العقد ثم تنسحب بحجة عدم توفر بيئة آمنة لتنفيذ المشروع، وتلجأ إلى المحاكم لتغريم العراق مبالغ كبيرة". وطالبت نصيف الشركة الإستشارية لوزارة الإعمار والإسكان "بإيضاح ما إذا كانت شركة باي ووتر مؤهلة، وهل أن أسعارها منصفة وليست مرتفعة، وما مدى صحة العرض الفني، وما السبب وراء إرسال دعوة وطلب عرض من شركة باي ووتر حصراً، رغم وجود شركات كثيرة". وأكدت النائبة أنها ستزود هيئة النزاهة بالوثائق الخاصة بهذه القضية " التي تعد من أكبر قضايا الفساد في العراق، ويُشرف عليها العديد من الأشخاص، لأن العمولات التي تدرّها مرتفعة جداً" بحسب النائبة.
يذكر أن المشاريع المتلكئة منذ 2003 في العراق ومنها هذا المشروع، تعد بالآلاف ، لأسباب تتعلق بالفساد، وتقاسم العمولات بين الشركات الوهمية والجهات المتنفذة.