وافق مجلس الوزراء في جلسة عقدها أواسط الشهر الماضي، على إنشاء المدينة التي أطلق عليها تسمية "الرفيل"، وطرحها للاستثمار وفق المادة 4 / سادساً من قانون الاستثمار رقم 12 لسنة 2006 ، على مساحات شاسعة حول مطار بغداد الدولي تبلغ 106 الاف دونم، وتتسع لمليون ساكن. وبرر مجلس الوزراء هذا الإجراء بالحاجة " لإنشاء عاصمة إدارية جديدة، ولمنع الانفجار السكاني". ولم ينشر حتى الآن مايشير لإجراء الدراسات التخطيطية والبيئية والقانونية التي يفترض إجراؤها في مثل هذا المشروع، الذي يلف الغموض جوانب عديدة منه، خاصة مع التناقضات التي برزت في التصريحات الرسمية، حيث نفت رئيسة هيئة الاستثمار العراقية سها النجار، أن تكون هذه المدينة بمثابة عاصمة إدارية، وقالت في تصريح صحفي لها إن "الرفيل لن تكون عاصمة إدارية للعراق كما يزعم البعض ولا توجد خطط بهذا الشأن، وإنما هي مدينة جديدة، الهدف من إقامتها ضبط عملية التوسع الإسكاني والإداري والتجاري والصناعي في العاصمة". وأكدت النجار إن "الأرض الذي ستقام عليها المدينة الجديدة تقع في موقع متميز جداً قريب من قلب العاصمة، وهي عبارة عن أراض حكومية فارغة مجاورة لمطار بغداد"، لكن مواطنين من سكنة المنطقة فندوا إدعاءات النجار عندما عرضوا في لقاءات تلفزيونية وثائق تثبت ملكيتهم لمساكن وأراض أنذروا بتخليتها من أجل إقامة المشروع، كما رفع وجهاء هذه المناطق شكوى قضائية، لمراجعة القرار القاضي بنقل ملكية أراضيهم ودورهم إلى هيئة الاستثمار.
حلقة من مسلسل التغيير الديموغرافي، تهدف لتهجير عدد كبير من سكان محيط بغداد
تغيير ديموغرافي
وكشف هؤلاء المواطنون تناقضاً آخر في التصريحات بين هيئة الاستثمار ومجلس الوزراء، فبينما نفت رئيسة الهيئة أن تكون المنطقة مأهولة بالسكان تعهد مجلس الوزراء بتعويض سكانها، لكنه لم يذكر أين وكيف يمكن تعويض هذا العدد ، الذي تقدره المصادر ب 300 ألف نسمة، يعيشون فيها ويمارسون الزراعة منذ عقود. ورغم أن جلسة مجلس الوزراء لم يمض عليها أكثر من ثلاثة أسابيع، إلا أن ردود فعل غاضبة صدرت من العديد من الأطراف، حيال المشروع، فقد اعتبرت أطراف نيابية هذه الخطوة حلقة من مسلسل التغيير الديموغرافي، تهدف لتهجير عدد كبير من سكان محيط بغداد، وجاء في بيان لتحالف "عزم" النيابي أنه "تفاجأ بقرار مجلس الوزراء بتحويل 106 آلاف دونم زراعي ضمن المنطقة المحيطة بمطار بغداد إلى مشروع إنشاء عاصمة إدارية"، مؤكداً اعتراضه على مصادرة الأراضي الزراعية من أصحابها، ومعتبراً أنّ هذا القرار يهدف لإحداث تغيير ديمغرافي في تركيبة المنطقة السكانية. أكد ذلك أيضاً رئيس البرلمان الأسبق محمود المشهداني في لقاء تلفزيوني بقوله ، إنّ "الوضع لا يحتمل مشاريع تثير مخاوف وسخط الشارع، ومشروع "الرفيل" لا يصب بخدمة الناس". وتساءل المشهداني "ما الفائدة من أن تقيم مدينة على حساب أهل المنطقة وتاريخها ومصالح المواطنين،؟" مؤكداً أنّ "الموضوع سيفسّر بأنّ له علاقة بمشاريع التغيير الديمغرافي، والعراق على كفّ عفريت ولا تنقصنا مشاكل" حسب تعبيره.
تدمير الزراعة
وإلى جانب التغيير الديموغرافي القائم أصلاً في مناطق أخرى، طرحت قضية تحويل أراض مُستصلحة زراعياً ومنتِجة، إلى أبنية يمكن إقامتها في مناطق أخرى. وقالت عضو لجنة الاقتصاد والاستثمار النيابية ندى شاكر، "إن من أولويات تأسيس المشاريع في جميع الدول هو اختيار الأرض المناسبة، حيث يجب أن لا تكون مستثمرة زراعياً أو صناعياً أو سكنية، ولا يمكن الاستفادة منها في أي مجال آخر"، مؤكدة في تصريح صحفي، إن "هذا المشروع سيتم إنشاؤه على مناطق زراعية منتجة، وبالتالي سيساهم بتدمير وإنهاء الزراعة في بغداد". وطالبت النائبة "بنقل المشروع إلى أرض ميتة وغير منتجة، واستغلالها في إنشاء مثل هذه المشاريع". وتذهب شاكر الى أن "هذا المشروع سيتسبب بمشكلة أخرى كبيرة وهي مشكلة الساكنين على الأرض التي سيقام عليها المشروع"، متسائلة "كيف ستوفر لهم الحكومة السكن وهي عاجزة منذ سنوات طويلة، عن حل الأزمة التي تعاني منها معظم محافظات العراق" .
إحالة أي عمل حكومي جبار مثل هذا المشروع، إلى استشاري بعينه مباشرة ودون إجراء مسابقة أو استدراج أفكار بديلة، تشوبه حتماً شبهات الفساد
وإلى جانب هذه العواقب، قال خبراء إن المشروع سيتسبب في استقطاب أعداد كبيرة من المركبات، مما يفاقم مشكلة الاختناقات المرورية على طريق المطار والطرق الأخرى، التي تعاني منها العاصمة أصلاً، و سيمحو مساحات كبيرة من حزام بغداد الأخضر، كما سنواجه مشاكل بيئية ضارة تنجم عن تحويل الأراضي الزراعية الخضراء إلى طرق وأبنية. وعبر هؤلاء الخبراء عن مخاوفهم من أن يحاصر المشروع مطار بغداد الدولي، وقد تضطر السلطات إلى نقل المطار الى موقع آخر.
قرار مخالف للقانون
ووصف الدكتور إحسان فتحي، عضو الهيئة الاستشارية العليا لتخطيط مدينة بغداد سابقاً المشروع، بأنه "اخطر مشروع في تاريخ بغداد المعاصر"، مؤكداً إن قرار إنشائه اتخذ "رغم اعتراض اللجنة القانونية بمجلس الوزراء ووزارة التخطيط عليه، وبمعزل عن أمانة بغداد والمخطط الإنمائي الشامل لبغداد 2030 ، المُعد منذ عام 2015 ولم تتم المصادقة عليه حتى الآن". وأكد في مقالة نشرها حول المشروع الذي اقترحت تصاميمه الشركة الامريكية ( CH 2M ) "نحن لانعلم أيضاً لماذا، ومن اختار المكتب الأمريكي لتصميم هذا المشروع دون غيره من مئات المكاتب الاستشارية العالمية المشهورة بتخطيط المدن، حيث أن إحالة أي عمل حكومي جبار مثل هذا المشروع، إلى استشاري بعينه مباشرة ودون إجراء مسابقة أو استدراج أفكار بديلة، تشوبه حتماً شبهات الفساد والاستفادة الشخصية من قبل اصحاب القرار" بحسب فتحي، الخبير الذي عمل أيضاً كمخطط مدن، مؤكداً أن "لهذا القرار تبعات خطيرة للغاية، وهوغير قانوني، ومن غير المعقول اتخاذه بهذه السهولة والعجالة، من قبل حكومة تصريف أعمال"، وأن "بناء مدينة جديدة بهذا الحجم من الإستثمار والمساحة الهائلة هو ليس مزحة، أو لعبة بسيطة بيد هذا السياسي أو ذاك، إنه قرار خطير جداً، سيؤثر على مصير الأجيال القادمة وتركيبتها الاجتماعية لمئات السنين القادمة، وسيغير جوهرياً البنية الوظيفية لمدينة بغداد وهيكلها العمراني".