مليونا طن من مخلفات كبريت المشراق تهدد الموصل بكارثة بيئية 

وكأن هذه المدينة لم تكتف من كوارث الحرب والتهجير لتلوح في أفقها بوادر كارثة جديدة، تتمثل بحرائق محتملة ناجمة عن مخلفات حقول كبريت المشراق جنوب المدينة، إضافة لارتفاع نسب التلوث في المياه والهواء. والكبريت الذي كان يمثل بعد النفط رقماً كبيراً في مداخيل العراق أصبح مصدر كارثة بيئية، فضلاً عن خسارة منتجات رئيسية وثانوية تغني عن استيرادها بأموال طائلة. وكانت الشركة العامة لكبريت المشراق قد قرعت ناقوس الخطر مؤخراً، محذرة  من حرائق قد تنشب بسبب وجود كميات كبيرة من مخلفات الكبريت في حقولها. وبحسب مصادر في الشركة، فإن "وجود أكثر من مليوني طن من مخلفات الكبريت في المشراق قد يؤدي إلى حرائق محتملة"، وأن الحرائق لو نشبت "ستسبب كارثة بيئية وإنسانية في عموم محافظة نينوى". وكانت هذه الشركة قد اتخذت بعض التدابير الإحترازية، تمثلت "بحرق الحشائش ومد شبكة أنابيب مياه حول ساحات الكبريت وتهيئة سيارات الإطفاء"، لكن لا يبدو أن هذه الإحتياطات ستكون كافية في حال نشوب حريق، نظراً لحجم المخلفات. وسبق أن احترقت هذه الحقول ثلاث مرات، كانت الأولى في عام الغزو 2003 ، وتعرضت لحريق آخر عام 2016 ، وأخيراً في حزيران 2019 ، وفق ما أفاد به مدير عام الشركة سعد أمين فيصل. وأدى الحريق الأخير لمصرع أحد الرجال، وإصابة ثمانية أخرين من منتسبي الدفاع المدني بحالات إختناق. 

أكبر منجم في العالم

وبحسب مصادر في الشركة فإن الحرائق تتكرر بسبب "إهمال وتجاهل وزارة الصناعة والمعادن لمطالب الإدارة بتخصيص موازنة للتدابير الاحترازية، وتقصيرها في توفير متطلبات عملية التخلص من أكداس المخلفات". وينتج عن عملية الاستخراج ما بين 20% و 25% من الناتج الكلي كمخلفات، يستتخدم جزء منها في إنتاج مادة "الفوم" المانعة للرطوبة، ويطمر ما يتبقى في باطن الأرض، بحسب هذه المصادر.

ويعتبر العراق أكبر منجم للكبريت الرسوبي في العالم، إذ تضم حقول المشراق ما يقرب من ثلثي الإحتياطي العالمي منه، بحسب تقديرات وزارة الصناعة. وأجملت هذه التقديرات احتياطيات حقول المشراق بقرابة 360 مليون طن، في حين يقدر الإحتياطي العالمي بـ600 مليون طن. وتضم المشراق ثلاثة حقول، يقدر احتياطي الأول منها بـ 65 مليون طن، فيما يبلغ احتياطي الحقل الثاني 66 مليون طن، أما الثالث فيصل إلى حوالي 224 مليون طن".

ويعود تأسيس الشركة العامة لكبريت المشراق التابعة لوزارة الصناعة العراقية، إلى عام 1969، حيث حصلت شركة بولنديه على عقد استثماري مباشر لإنتاج الكبريت الرسوبي من حقولها، وبدأت بالإنتاج في كانون الأول/ ديسمبر عام 1971، وتوقفت عقب الإحتلال.

حجم الخسائر

ولمعرفة حجم الخسائر من توقف هذه الصناعة، يجب معرفة حجم التنوع في الإستخدامات الأساسية والثانوية للكبريت. وفي هذا الصدد يقول المهندس الكيميائي عمر صلاح الدين، "إن استخداماته تتنوع ما بين الصناعات الدوائية والبارود والأسمدة والمبيدات وتعفير الحبوب الزراعية". ومن نواتج الكبريت الأخرى "الكبريت الزراعي"، الذي يستخدم على شكل مسحوق في مكافحة الآفات الزراعية. وتعود أهمية الكبريت الرسوبي إلى كونه ناجماً عن ترسبات تراكمت عبر ملايين السنين، وهذا ما يميزه عن الكبريت المنتج المصاحب لعمليات استخراج النفط والغاز، ولأنه يضم العديد من المواد العضوية، فإنه يدخل في صناعات الأسمدة الفوسفاتية وحامض الكبريتيك والبارود والأدوية، إضافة لكونه مبيداً حشرياً فعالاً. وهناك أيضاً مادة الشب (كبريتات الألمونيوم المائية) المستخدمة في تصفية المياه. وبحسب دراسة أعدها قسم الجغرافيا في جامعة بابل ، فإن  "حامض الكبريتيك يستخدم على نطاق واسع في عدة صناعات رئيسة مثل الغزول القطنية والكتانية، صناعة الحرير، تصفية النفط، البطاريات، الشب، الأسمدة، المطاط، المتفجرات، الورق، الأصباغ، ألمبيدات الزراعية وغيرها، حتى يشار إلى ان مقدار استهلاك أي بلد من حامض الكبريتيك دليل على مقدار تطوره الصناعي". ولا تقتصر الخسائر الناجمة عن توقف العمل على الجانب المادي، بل أن تلوثاً كبيراً يحدث بسبب مخلفات الكبريت غير المعالجة ، وبحسب "نشرة الجيولوجيا والتعدين العراقية" فإن هذا التلوث امتد إلى مياه نهر دجلة ، مشيرة إلى دراسة قارنت بين نسبة التلوث في مياهه، من شمال منجم كبريت المشراق ولغاية التقاء نهر الزاب الأعلى به، قبل وبعد توقف استخراج الكبريت ، أظهرت "إن التسرب الحاصل من منجم كبريت المشراق من خلال العيون الصناعية التي خلّفها والتي أصبحت منفذاً طبيعياً لتصريف المياه الجوفية الكبريتية، هو أحد الأسباب المؤدية إلى زيادة تلوث مياه نهر دجلة".

الإفتقار لرؤية اقتصادية

وعندما تكون الخسائر والأضرار بهذا الحجم مقارنة بالأرباح التي يمكن تحقيقها من استثمار هذا المنجم الكبير، تبرز تساؤلات عن سبب إهماله طيلة السنين السابقة، وفي هذا الصدد يرى  الخبير الاقتصادي همام الشماع، أن هناك تعمداً من الحكومات "بعدم استثمار حقول كبريت المشراق،" مؤكداً "إن الدولة العراقية، ومنذ عام 2003 تفتقر لرؤية إستراتيجية اقتصادية، تعكف على استثمار الموارد الطبيعية الهائلة، على غرار استثمار النفط والغاز."

وكانت مصادر في وزارة الصناعة قد أكدت تعاقد الوزارة مع شركة أمريكية عام 2011 ، لاستيراد مصنع حديث ومتكامل بقيمة 80 مليون دولار، ووصل المصنع العراق عام 2015 ، لكنه مازال في مخازن ميناء البصرة. وأرجعت هذه المصادر سبب بقاء المصنع في المخازن طيلة هذه الفترة إلى الوضع الأمني في الموصل بعد سيطرة تنظيم الدولة "داعش" عليها عام 2014. ورغم انتهاء المعارك حول الموصل عام 2017 ، إلا أن المصنع مازال في مخازن البصرة "بسبب حاجة الشركة لإعادة تأهيل البنى التحتية والمخازن." ولم تذكر هذه المصادر سبب عدم إنجاز هذه المهمة طيلة 4 سنوات كاملة، مرت على انتهاء العمليات العسكرية في الموصل.

15 أبريل، 2021
أمام القضاء الفرنسي .. عادل عبد المهدي يواجه تهماً تتعلق بجرائم ضد الإنسانية 
8 مايو، 2018
#مقاطعة_الانتخابات.. حملة تجتاح "السوشيال ميديا" ضد الأحزاب الفاسدة
8 سبتمبر، 2019
حرائق تشتعل في أسواق بغداد.. متى يقف هذا المسلسل؟
29 ديسمبر، 2022
تهريب العملة والحوالات السوداء أضعفت الدينار العراقي
11 أغسطس، 2017
الحرب الإيرانية العراقية من وجهة النظر العربية
25 مايو، 2019
"الخزعلي" يثير الجدل: التعزيزات الأمريكية جاءت لمواجهة المهدي
25 يونيو، 2017
العيد في العراق تسمية لا فرحة... والأسباب هي ؟
9 مايو، 2022
العرب وبدائل الأمن الغذائي بعد شهرين من الحرب الروسية الأوكرانية
8 أبريل، 2017
١٤ عاماً على احتلال بغداد .. القصة الكاملة
6 نوفمبر، 2017
عسكريون: الجيش العراقي السابق لم يعاير المواطنين حين حماهم ولا طلب رد الجميل حين حرر المدن
25 يونيو، 2022
هيئة علماء المسلمين في العراق تقيم مؤتمرها العلمي الرابع في اسطنبول
23 فبراير، 2018
قرى الحويجة.. عمليات انتقامية على أيدي الميليشيات
menu-circlecross-circle