منذ بداية انتشار فيروس كورونا في كانون الثاني/ ديسمبر 2019 وحتى الآن أصيب أكثر من 200 مليون إنسان في 210 دول حول العالم، وفق ما ذكره مركز رصد الفيروس في جامعة جونز هوبكينز الأمريكية. واقترب عدد الوفيات من 4.5 مليون إنسان خاصة بعد ظهور سلالات جديدة من بينها سلالة دلتا الأخيرة ، التي ظهرت في البداية في الهند وامتدت إلى دول أخرى. وحتى الآن أنفق العالم أموالاً طائلة لإنتاج أكثر من 4.5 مليار جرعة من اللقاحات المضادة للوباء، وزعت في مختلف أرجاء العالم. وتسعى دول العالم جاهدة للقضاء على الفايروس أو الحد من انتشاره ، بنشر التوعية المجتمعية حول طرق الوقاية وتشجيع المواطنين على اتباع إجراءات السلامة التباعد الإجتماعي واستخدام الكمامات والتعقيم المستمر، وحثهم على الإسراع بالتطعيم، وفرض حظر التجوال الجزئي والكلي، مع اعتماد برامج لدعم الفئات المتضررة من الحظر. وعمدت الحكومات لأنظمة التعليم عن بعد للتلاميذ في المدارس، والعمل عن بعد في بعض الدوائر والمؤسسات، كما استُنفرت مؤسسات الصحة والتعليم وغيرها كل حسب اختصاصه، للقيام بأدوارهم في هذا المجال. وحققت بعض الدول التي نفذت خططاً حقيقية تقدماً ملموساً في خفض عدد الإصابات، فيما تصاعدت أعداد الإصابات في دول أخرى جراء تقصير الجهات الرسمية بوضع مثل هذه الخطط للتصدي للوباء، وكان العراق في مقدمة الدول التي فشل أداؤها الرسمي في الحد من انتشار الفايروس، بدلالة الأعداد الكبيرة في الإصابات وفي الوفيات.
بقي العراق متربعاً على هذا المركز حتى الآن، بأكثر من 1.7 مليون إصابة ، والمركز الأول بعدد الوفيات أيضاً بما يقرب من 20 ألف وفاة بحسب الأرقام الرسمية
موقع العراق
ويأخذ المتخصصون في هذه الإحصائيات بالاعتبار عدد الوفيات، فعندما ينخفض عددها بالمقارنة مع عدد الإصابات يتراجع موقع البلد على خارطة انتشار الوباء، لكن الكارثة الكبرى تحل عندما يكون عدد الوفيات أيضاً مرتفعاً، لأن هذا الأمر يؤشر فشلاً مزدوجاً لأجهزة الدولة سواء بالحد من ارتفاع عدد الإصابات أو بعلاجها في حالة وقوعها، وهو ما حدث في العراق وجعله يحتل الموقع الأول عربياً بعدد الإصابات منذ وقت مبكر من انتشار الفيروس. وبقي العراق متربعاً على هذا المركز حتى الآن، بأكثر من 1.7 مليون إصابة ، والمركز الأول بعدد الوفيات أيضاً بما يقرب من 20 ألف وفاة بحسب الأرقام الرسمية. ولم تجد وزارة الصحة العراقية وسط هذه الأرقام ، إجراء تتخذه غير إصدار البيانات التي تؤكد على "أن العراق يواجه تحدياً وبائياً خطيراً،" ملقية باللائمة فقط على المواطنين، الذين لم يلتزموا بالإجراءات الوقائية، حيث قال المتحدث باسمها سيف البدر في بيان له ، إنه "تم تسجيل أعلى حصيلة يومية بالإصابات بفيروس كورونا بلغت 12180 إصابة"، وإن "عدم الإلتزام بالإجراءات الوقائية، سبّب ارتفاعاً غير مسبوق بأعداد الإصابات اليومية بكورونا". وخلال يوم واحد وجهت الوزارة ندائين، دعت فيها المواطنين إلى الإسراع بتلقي اللقاحات المضادة للفيروس والإلتزام بإجراءات الوقاية، وحذرت في ندائها الثاني من أن "العراق على أعتاب كارثة صحية وإنسانية كبيرة"، مؤكدة على أن ارتفاع أعداد الإصابات والوفيات سبب "ضغطاً شديداً على المستشفيات ومراكز العلاج، التي تشهد اكتظاظ المرضى وزيادة الحالات الحرجة، مع تصاعد عدد الوفيات بشكل خطير غير مسبوق".
الإنتقال إلى التعلم عبر الإنترنت في العراق خلال مراحل الوباء شبه مستحيل بالنسبة لغالبية الطلاب
ماذا عن التعليم؟
وحذرت مؤسسة بحثية أمريكية كبيرة، من أن كارثة مرعبة ستحصل في العراق بعد كورونا، وإن الجائحة في العراق خلفت آثاراً مدمرة. وقال موقع المجلس الأطلسي للأبحاث "أتلانتيك كونسيل" أن هذا العدد من الإصابات والوفيات كبير جداً في بلد يبلغ تعداد سكانه تسعة وثلاثين مليون نسمة. وانتقد التقرير بطء عملية التلقيح ، معتبراً أن "جهود إعطاء اللقاح في العراق تتقدم بشكل بطيء، وهو ما ينذر بالخطر"، حيث أن "0.99٪ فقط من سكان العراق حصلوا على اللقاح بالكامل". ومن بين القطاعات الأكثر تضرراً من تداعيات هذا الانتشار المريع للفيروس هو قطاع التعليم، حيث سلط التقرير الضوء على هذا الجانب في عموم محافظات العراق بما فيها المحافظات الشمالية، محذراً من نشوء "جيل أمي". وجاء في التقرير إن السلطات فرضت "إغلاق المدارس في جميع أنحاء البلاد خلال فترة الوباء، وهو ما ترك أثره على 11 مليون طفل عراقي، من طلاب ما قبل الإبتدائي إلى طلاب ما بعد المرحلة الثانوية”، مضيفاً أن "الآثار المدمرة للوباء إلى جانب سنوات من الآثار غير المباشرة للصراع العنيف والتطرف، برهنت على أنها تلحق الأذى بالطلاب، فيما ينال تعليمُهم وطموحاتهم المهنية للمستقبل، إهتماماً محدوداً". وصُنفت معدلات الإغلاق في العراق من بين أعلى المعدلات في العالم، حيث استمرت 62 إسبوعاً، ولم يتمكن بعض الأساتذة من إكمال أكثر من 50% من مناهجهم الدراسية.
فشل التعليم سبق الجائحة
وأوضح التقرير أن "عدم القدرة على الوصول للتعليم ليس عقبة جديدة في العراق، المبتلى بهذه الظاهرة كنتيجة للصراعات العنيفة المتعددة، التي بدات في العام 2003"، وأن "إضافة وباء كورونا إلى هذه المعادلة، أدى لتفاقم الوضع السيئ بالفعل في نظام التعليم العراقي".
وكانت إحدى الهيئات المستقلة للمعلومات الإنسانية (ACAPS) قد أوردت أرقاماً سبقت الجائحة، عن فرصة الطفل العراقي في الوصول إلى جهاز حاسوب في المنزل، وقالت إن 20% فقط من الأطفال في العراق، كانت لديهم هذه الفرصة عام 2018 ، الأمر الذي "جعل الإنتقال إلى التعلم عبر الإنترنت خلال مراحل الوباء شبه مستحيل بالنسبة لغالبية الطلاب". وخلص التقرير إلى حقيقة أن "نظام التعليم العراقي السيئ بالفعل، قد يصطدم بالإقتصاد الفاشل"، وأن "التحاق الشباب الأمي بسوق العمل خلال هذه الأزمة الإقتصادية، دون الحصول على التعليم الملائم للمساهمة بشكل إيجابي في الاقتصاد، سيؤدي حتماً إلى البطالة والفقر، اللذين يؤديان إلى اضطراب سياسي واجتماعي".