"حتى بيوت الله لم تسلم من أطماعهم". بهذه العبارة أوجز رجل مسن من سكنة حي المنصور، حيث موقع "جامع الرحمن الكبير"، السجال الدائر حول عائدية الجامع، الذي توقف العمل به بعد الغزو الأمريكي. وقال (عزيز عمر) وهو موظف متقاعد، "إن موقع العمل في الجامع الذي أنجز قسم منه قبل الإحتلال تحول إلى مرآب للسيارات، ثم مأوى لعشرات العوائل المشردة، واليوم نسمع كلاماً عن تحويله إلى مجمعات تجارية (مول)، وبعضهم يتحدث عن متحف. هل يصح التعامل مع بيوت الله بهذه الطريقة؟"
وجامع الرحمن، الذي خطط له أن يكون الأكبر في العراق، وفي العالم بحسب بعض المصادر، ويستوعب حوالي 100.000 مصلٍّ، بدأ العمل به عام 1999 بتمويل وإشراف وزارة الأوقاف والشؤون الدينية آنذاك. وانشطرت هذه الوزارة بعد الإحتلال وفق نظام المحاصصة إلى عدد من الأوقاف بينها الوقفان الشيعي والسني، اللذان افتَتحا سجل النزاع حول عائدية الجامع، قبل أن تُدرج أطراف أخرى، بينها أحزاب ومليشيات، في قائمة المطالبين به. ويعتقد مراقبون أن موقع الجامع المميز في حي المنصور ببغداد، ومساحته التي تبلغ 200،000م2 هي سبب النزاع من أجل الإستحواذ عليه، واستغلاله في نشاطات تجارية لا تمت إلى الغاية التي أنشئ من أجلها بشيء. ومن ضمن المنشآت التي خطط لها أن تكون ضمن المشروع "الجامعة الاسلامية الكبرى"، التي تضم الجامعات الإسلامية في العراق.
اليعقوبي يستثمر في بيت الله
ونقل تقرير تلفزيوني عن العاملين في مرأب للسيارات مقام على أرض تابعة للجامع قولهم، إن القائمين على الجامع يستثمرون المرأب الذي يدر حوالي 5 ملايين دينار يومياً. وبحسب مصدر في أمانة بغداد فإن المرأب أغلق عام 2016 عندما كان حزب الفضيلة التابع للمرجع الشيعي "محمد موسى اليعقوبي" يسيطر على الجامع والمرأب، وأعيد افتتاحه بعد ضغوط تعرضت لها أمانة بغداد من قبل جهات متنفذة. وقال مصدر قضائي إن محكمة الكرخ حكمت بإخلاء الجامع وتغريم حزب الفضيلة 313 مليار دينار كبدل إيجار عن السنوات الماضية. ولم يذكر المصدر الجهة التي تمتلك حق استحصال هذا المبلغ، لكنه قال إن "القضاء نقض القرار بعد تمييزه ورد الدعوى المقامة ضد الحزب" لينجو اليعقوبي وحزبه، ويحتفظ بالجامع وعائداته. ولم تكن هذه المرة الأولى، حيث سبق وأن أقيمت دعاوى مشابهة ضد الأمين العام للحزب، بحسب المصدر.
وحزب "الفضيلة"، هو واحد من الأحزاب الحاكمة، استولى على الجامع بعد نزاع مع تيار مقتدى الصدر، الذي كان يطمح هو الآخر إلى الإستيلاء عليه.
الخزعلي "يشتري" الجامع
ويبدو أن اليعقوبي سئم من الدعاوى القضائية المرفوعة ضده بخصوص بالجامع، أو أنه اكتفى بما جناه من أرباح منه، فقرر "بيعه" إلى زعيم العصائب قيس الخزعلي، الذي دخل هو الآخر في نزاع حوله مع رئيس هيئة الحج "سامي المسعودي". وأقام المسعودي دعوى قضائية عندما كان يشغل منصب نائب رئيس ديوان الوقف الشيعي، مطالباً بضم الجامع إلى ممتلكات الوقف. ودافعت العصائب عن "حقها" بالسيطرة على الجامع، باعتبار أنه "كلفها الكثير من الأموال" بحسب المصادر. وأضافت هذه المصادر إن "العصائب تعارض الخروج من الجامع لأنها خاضت نزاعاً مالياً مكلفاً مع حزب الفضيلة التابع لمحمد اليعقوبي، مقابل ترك الجامع لها، منذ عام 2015"، مؤكدة إن "الإجراءات القانونية لنقل ملكية الجامع الى الوقف الشيعي استمرت رغم احتدام الخلاف بين الخزعلي والمسعودي، لاسيما أن الأخير كان قد منع العصائب من الإستمرار في مشروع استثمار إحدى المكتبات القريبة من الوقف الشيعي، مما عمق هوة الخلاف بين الطرفين".
ورجحت المصادر أن يكون الحكم القضائي الخاص بعائدية الجامع لصالح الوقف الشيعي، الذي سبق وأن نازع الوقف السني حوله، فيما يبدو أن الأخير قد تخلى عنه، كما تخلى عن مواقع وأوقاف كثيرة تابعة له خلال السنوات الماضية.
من جامع إلى متحف
ورغم هذه الترجيحات لم يتضح مصير الجامع بشكل نهائي حتى الآن، خاصة وأن النزاعات تدور بين جماعات تمتلك السلاح والنفوذ، في بلد تعلو فيه كلمة هذه الجماعات على كلمة القانون، لكن مقترحاً بتحويله من جامع إلى متحف، يبدو أنه يلقى قبولاً لدى جهات حكومية. وفي هذا الخصوص يعتقد مدير آثار ذي قار "عامر عبد الرزاق" أن العراق "واجهة حضارية وقبلة سياحية في المنطقة ودول العالم"، لذلك فإن تحويل جامع الرحمن المتروك إلى (متحف عملاق) سيشغل أكثر من 6000 يد عاملة، إضافة لرفد الموازنة الإتحادية بمورد مالي مهم، عند احتساب سعر بطاقة دخول المتحف بنحو 5000 دينار عراقي،" وفق ما ذكره المسؤول لموقع ألكتروني.
وأبدى سكان محليون استغرابهم من فكرة تحويل بيوت الله إلى مشاريع استثمارية بدل تأهيلها وفتحها للمصلين، حيث لم تجد هذه الجهات مبنى آخر غير الجامع لتستثمر فيه سياحياً، بعد تحويله إلى متحف، إن لم يتحول إلى مجمعات تجارية، تدر على أصحابها أكثر من مجرد جامع يكون الدخول إليه مجاناً.
ولا تعاني الجوامع في العراق من الإهمال فحسب، بل إنها تتعرض لحملة غير معلنة للتدمير والتخريب والمصادرة، في حين لم تقم دائرة الوقف السني بما يتوجب عليها فعله لمنع هذه الحملة. ويعتقد مراقبون أن الجوامع هي أول ما تستهدفه الميليشيات عند تعرضها للمدن والقرى التي تتواجد فيها. واستند هؤلاء المراقبون لوقائع كثيرة استهدفت فيها الميليشيات الجوامع، كان آخرها جامع قرية "نهر الإمام" في محافظة ديالى، التي تعرضت لمجزرة مروعة تشرين الأول/أكتوبر الماضي، وأحرق جامعها الوحيد.