كشف النقاب مؤخراً في محافظة نينوى عن استيلاء ميليشيات وجهات متنفذة، على أملاك وعقارات وأراض يعود كثير منها للدولة بضمنها مواقع أثرية، بعد عمليات تزوير واسعة. وباشرت مطلع العام الجاري لجنة خاصة بإجراء تحقيقات حول هذا الموضوع، كشفت عن ضلوع موظفين وجهات متنفذة وجمعيات إسكان، بتغيير صنف عقارات ضمن عمليات تزوير وصفت بأنها الأكبر في تاريخ المحافظة.
وتشكلت هذه اللجنة بعد تقارير صحفية نشرت في وقت سابق، تناولت نزاعاً بين الوقفين الشيعي والسني على عائدية عقارات تم الاستيلاء عليها بعد تزوير ملكيتها، واستيلاء الميليشيات التي انتشرت في المحافظة على عقارات أخرى في المحافظة. وتوصلت التحقيقات لمعلومات مهمة تتعلق بقطع الأراضي موضوع التحقيق، والأملاك التي تم تغيير صنفها.
وفي الشهور الأخيرة من العام الماضي كشفت هيئة النزاهة الاتحادية، ضمن إحصائية أصدرتها، عن 31378 عقاراً تم التجاوز عليها في عموم البلاد، باستثناء محافظات الإقليم، كانت حصة نينوى منها 8585 ، استرجعت منها 35 عقاراً فقط .
وتابع صحفيون وناشطون موصليون هذه القضية، وتوصلوا إلى أن الإحصائية لم تشمل المئات من العقارات التي ضمتها أحزاب وجهات متنفذة، وتصرفت بها في مناطق مختلفة من المحافظة، وإنما فقط الأراضي المستغلة من قبل جمعيات الإسكان. وتتنوع أجناس هذه الأملاك بين مشيدات لمواطنين مهاجرين، أو مستأجرة لموظفين تصرفوا بها، إضافة لأراض زراعية وسكنية وتجارية.
ووضعت هيئة النزاهة إشارة عدم التصرف على ما يصل إلى 844 عقاراً تصل قيمتها إلى 85 مليار دينار، قالت إنها تضمنت مخالفات في عملية التخصيص.
وذكرت تقارير حكومية أن أكثر من 9 آلاف عقار تابع للدولة، تقدر أقيامها بمئات الملايين من الدولارات قد "فقد" سبب تلك التجاوزات.
دور المكاتب الاقتصادية التابعة لهذه الميليشيات، التي استولت على العقارات وتصرفت بها بمساعدة موظفين تابعين لها، أو مكرهين تحت التهديد
دور جمعيات الإسكان
وذكرت تقارير صحفية أن غالبية تلك التجاوزات حصلت بعد استيلاء الميليشيات على آلاف العقارات منذ سيطرتها على المحافظة منتصف عام 2017، كما استولت على مشاريع استثمارية لتعزيز قوتها الاقتصادية وتمويل أنشطتها.
وضبطت دائرة التحقيقات في هيئة النزاهة في المحافظة مطلع العام الجاري، مبلغ 1.7 مليار دينار، قالت الهيئة أنها قيمة أراض سكنية عائدة للدولة، تقاضاه مسؤولون في إحدى جمعيات الإسكان، اعتقل على إثرها 18 موظفاً متهماً ببيع عقارات حكومية. وبحسب الهيئة فإن عملية الاعتقال تمت في مكتب الجمعية حيث ضبطت هذه الأموال مع سندات وعقود البيع، بعد قيام الموظفين بتقطيعها وبيعها، واعتقلت في الشهر نفسه خمسة موظفين في دائرة الكهرباء، باعوا أراضي تعود للدولة لصالح جمعية إسكان أخرى.
إلى ذلك كشف تحقيق صحفي عن ضبط 66 شخصاً العام الماضي من قبل فريق تابع لمديرية تحقيق نينوى، اتهموا بالتجاوز على محرمات مدينة نينوى الأثرية التابعة لمديريَّة آثار المحافظة في الجانب الأيسر لمدينة الموصل. وأكد مصدر في النزاهة أن قسماً كبيراً من هؤلاء اشتروا الأراضي من جمعيات الإسكان وتصرفوا بها، ومنهم من شيد عليها منشآت ودوراً سكنية.
وأكد سماسرة يعملون في مجال العقارات على دور الميليشيات التي انتشرت في الموصل وأصبحت الحاكم الفعلي في مرحلة ما بعد تنظيم الدولة "داعش"، مشيرين إلى دور المكاتب الاقتصادية التابعة لهذه الميليشيات، التي استولت على العقارات وتصرفت بها بمساعدة موظفين تابعين لها، أو مكرهين تحت التهديد. وأكد صحفيون استقصائيون تابعوا الموضوع، إن إجراءات الاعتقال والأحكام القضائية اقتصرت على الموظفين، في حين لم تخضع الميليشيات ولا مكاتبها الاقتصادية لأي إجراء قانوني.
جماعات "سهل نينوى"
وتمكن الفريق الصحفي من الحصول على معلومات من أحد المصادر في محكمة الاستئناف، حول الطريقة التي اتبعتها رئيسة إحدى الجمعيات، تتحفظ "يقين" على ذكر اسمها، حيث قامت هي وشركاؤها بالاتصال ببعض العوائل التي اشترت منهم الدولة قبل الاحتلال، أراضي وخصصتها للمشاريع ذات النفع العام، وتزوير أوراق هذه الأراضي برفع إشارة الإطفاء عنها، وإخفاء المستمسكات التي تثبت نقل ملكيتها إلى الدولة، وكأنها ما تزال باسم هذه العوائل، ومن ثم شراؤها منهم و تقطيعها وإعادة بيعها للمواطنين الذين لا يعرفون شيئاً عن هذه التفاصيل.
وقال الخبير العقاري (ع . ج) أن إجراءات النزاهة لم تطل الجميع وإنما رفعت التجاوزات عن عقارات دون أخرى وصفها بالـ"معروفة للجميع"، في إشارة لميليشيات استولت على أراض تعود للدولة في سهل نينوى. وأضاف هذا الخبير القول إن أوامر صدرت "بإخلاء نحو 60 منزلاً مشيداً على أرض وزعتها بيعاً جمعية إسكان في منطقة المثنى بالجانب الأيسر للموصل، ومنع آخرون كانوا قد اشتروا قطع أراض في ذات المكان من بناء مشيداتهم عليها، ورفعت تجاوزات على محرمات سور نينوى الأثري في منطقة العطشانة- نينوى الشرقية- بالجانب الايسر للموصل".
المواطن بدفع الثمن
وعبر عدد من المواطنين عن غضبهم من الجمعيات التي قامت باستغفالهم، وقال (ف.ب) أنه اشترى قطعة أرض (200) م من إحدى الجمعيات وتأكد بنفسه من أوراقها الرسمية قبل شراء الأرض، لكنه تفاجأ بأمر وقف أعمال البناء وإزالة المشيدات السكنية المقامة عليها من قبل النزاهة وإعادة الأرض، التي تبين أنها تعود للدولة.
على صعيد آخر انتظم عشرات المواطنين في تظاهرة يوم 9 شباط/فبراير أمام مقر ديوان محافظة نينوى، مطالبين برفع يد اللواء 30 عن أراضيهم ليتسنى لهم استغلالها، مؤكدين أن هذا اللواء استولى على مساحات شاسعة من بينها أراض تقع ضمن مناطق سيطرته في سهل نينوى، تمتد بين قضائي الحمدانية شرق الموصل وتلكيف إلى الشمال منها، وهي أراض زراعية تعود لمواطنين بعضهم يقيم خارج العراق والبعض الآخر داخل المدينة، لكنهم يترددون في إقامة دعاوى لاستردادها، خوفاً من أعمال انتقامية يقوم بها عناصر اللواء والحشد الشعبي بشكل عام، الذي يفرض سيطرته المطلقة على المحافظة.