شهدت مدينة إسطنبول اليوم الأحد 26 يونيو/حزيران 2022، استمرار اليوم الثاني من فعاليات المؤتمر العلمي الرابع الذي ينظمه القسم العلمي في هيئة علماء المسلمين في العراق، والذي يحمل بعنوان "التجديد في الدراسات الإسلامية.. مفهومه، ومقاصده، وضوابطه وتطبيقاته"، بمشاركة نخبة من علماء المسلمين من العراق وغيره من بلاد المسلمين.
معالم النهضة العلمية
وافتتحت الجلسة الأولى من اليوم الثاني والتي تناقش الفقه والإسلامي وأصوله والسياسات الشرعية، وأدارها الدكتور محمد همام ملحم رئيس مركز معراج للبحوث والدراسات.
وخلال الجلسة قدمت بحوث عديدة، منها بحث الأستاذ الدكتور محمود علي السرطاوي عضو مجلس الإفتاء في المملكة الأردنية الهاشمية، والذي حمل عنوان (التجديد في الدراسات الإسلامية: الفقه وأصوله، والسياسة الشرعية)، وبحث الأستاذ الدكتور عمر عبد العزيز العاني أستاذ الاقتصاد الإسلامي في جامعة البحرين سابقا؛ بعنوان (معالم النهضة العلمية في العصر الحديث - النهضة الفقهية أنموذجا).
كما قدم الأستاذ الدكتور الحسان شهيد أستاذ التعليم العالي في كلية أصول الدين في المغرب، بحثه (التجديد الأصولي: الإمكانات والمداخل) ضمن الجلسة الأولى من اليوم الثاني لأعمال المؤتمر العلمي وذلك بواسطة الاتصال المرئي، وألقى الدكتور محمد ملحم ملخصا لبحث الدكتور سراج الدين الأسرع بلال مدير أكاديمية عناية الله العالمية في نيجيريا حول ضوابط التجديد في أصول الفقه وأثره في مناهجه وملامح التجديد في الفقه والسياسة الشرعية.
تجديد وفقه حضاري
وخلال الجلسة الثانية من اليوم الثاني لمؤتمر هيئة علماء المسلمين العلمي الرابع سلط الباحثون الضوء على العقائد والأديان والفرق، وأدار الجلسة الدكتور إدريس ربوح المنسق العام للمنتدى الأفرو آيسوي للتعاون والتنمية.
وألقى الأستاذ الدكتور عمار طالبي نائب رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، بحثه بعنوان (التجديد في المغرب الإسلامي)، والأستاذ الدكتور يوسف محمود الصديقي عميد كلية الشريعة الأسبق بجامعة قطر بحثه (التجديد في الفلسفة)، كما ألقى الدكتور إدريس ربوح ملخصا لبحث الدكتور أبو يعرب المرزوقي أستاذ الفلسفة العربية واليونانية بجامعة تونس، والذي كان حول بنية القرآن أو منطق استراتيجيته في تربية الإنسان.
وشهدت الجلسة الثانية مداخلة مسؤول القسم السياسي في هيئة علماء المسلمين الدكتور مثنى الضاري والذي أكد على أن موضوع الفلسفة وموضعه بين العلوم الشرعية عانى من مشكلة مزمنة في طرائق التدريس، التي أوجدت فجوة معرفية عند قسم من الدارسين، وأوهمت بأن الفلسفة مصادمة للدين بالكلية، وليس في بعض أقسامها فحسب.
إلى ذلك، بدأت الجلسة الثالثة لليوم الثاني من فعاليات المؤتمر والتي سلط فيها الباحثون الضوء على دراسات التاريخ والحضارة، وأدارها الدكتور عبد الحميد العاني أستاذ الحديث في كلية الشريعة بجامعة قطر.
وقدم مسؤول قسم الإعلام في الهيئة الأستاذ معاذ البدري بحث الأستاذ الدكتور عماد الدين خليل، والذي كان بعنوان (ضرورات الفقه الحضاري)، كما ألقى الدكتور إدهام محمد حنش الأستاذ في كلية الفنون والتصميم بالجامعة الأردنية بحثه بعنوان (التماهي الجميل: فلسفة الفن ومقاصد الشريعة)، ثم ألقى الدكتور فرست مرعي إسماعيل أستاذ التاريخ الإسلامي بجامعة زاخو في العراق بحثه حول ظهور الإسلام في تاريخ (مارديونسيوس) التلمحري.
ضوابط التجديد
واختتم المؤتمر العلمي الرابع لهيئة علماء المسلمين في العراق أعماله ببيان ينص على جملة من التوصيات، حيث أكدت تلك التوصيات على أوجه التجديد العامة، وضوابطها، والتفرقة بين الدراسات التجديدية الجادة وغير الجادة، وبيان زيف دعاوى كثير من الدعوات التجديدية غير المنضبطة.
وبينت الهيئة أوجه التجديد في التفسير وعلوم القرآن وعلوم اللغة العربية، مثل الاستفادة من منهج الدراسة اللغوية والسياقية للآيات القرآنية الكريمة، والعناية بالبحث في مجال المصاحف المخطوطة.
كما جاء في توصيات المؤتمر تأكيد على أهمية التجديد في علم الحديث، وذكرت منها العناية والتأكيد على ضوابط التجديد في فهم السنة النبوية المشرفة، وأهمية فهم السنة النبوية وفق القواعد الاصولية التي أخذ بها العلماء على امتداد العصور للرد على مزاعم التجديد المنفلت والفوضوي، بالإضافة إلى فضح وكشف آليات البحث الغربي ومناهج تفكيره لعدم موضوعيتها.
أهمية الاجتهاد الجماعي
وركزت الهيئة خلال بيان المؤتمر على أوجه التجديد في علم الفقه، وأهمها حاجة التراث الفقهي إلى توسعة عملية تبويب الموضوعات والمسائل؛ وتذليل الصعوبات التي يواجها الدارسون في كتب التراث، مؤكدة على ضرورة التركيز على منهج درس المبادئ والكليات والنظريات العامة في الفقه الإسلامي، بالإضافة إلى ربط الأحكام بعللها ومقتضياتها وغاياتها ومآلاتها عند التطبيق في عصر الاجتهاد الفقهي وتدوين المسائل
وأشار بيان المؤتمر إلى أهمية إعادة البحث والنظر في بعض الأحكام الصادرة عن أئمة الفقه، وفق قواعد أصولية لعدم وصول نص حديثي فيها، أو وصوله بسند ضعيف، وبحث أسباب التراجع الملحوظ عن ممارسة الاجتهاد الجماعي والاتجاه نحو الإفتاء الفردي الذي أحدث مشاكل كثيرة، وضبط قواعد الفتوى لدى المؤسسات المختلفة.
كما شددت توصيات المؤتمر على تركيز البحث الفقهي على المستجدات والنوازل الحادثة، والعناية أكثر بتقنين الفقه الإسلامي وكيفية التعامل مع التقنيات المتجددة، وكذلك التوسع في تدريس الفقه المقارن؛ لأنه به تتسع المدارك، وبه يتدرب المرء على قبول الرأي الآخر والموازنة والترجيح، بالإضافة إلى التركيز على دراسة القواعد الأصولية والقواعد الفقهية والنظريات الفقهية ومقاصد التشريع والسياسة الشرعية ومآلات الأحكام.
وحول التجديد في علم أصول الفقه، بينت الهيئة في بيان المؤتمر أن أوجهه تشمل تحرير محل التجديد في أصول الفقه، وتطوير طرائق تعليم أصول الفقه وتيسيرها نحو ما يحقق استفادة الطلاب منه، وإعادة الربط بين علمي أصول الفقه وأصول القانون.
مواجهة البدع المعاصرة
ولفت بيان التوصيات إلى أوجه التجديد في السياسة الشرعية، مثل حصر المسائل الفقهية النادرة في المحاكم الشرعية المعاصرة وإعادة مدارستها بين قضاة المحاكم والمجامع والهيئات الفقهية. وتحرير المسائل التي أحالها السابقون إلى أهل الحل والعقد مما استجد من مسائل معاصرة.
وأكدت هيئة علماء المسلمين على أوجه التجديد في دراسات العقائد والأديان والفرق، وقالت: يجب التصدي للبدع المعاصرة في العقيدة، ومنها بدعة (الدين الإبراهيمي) لمصادمتها الثوابت الشرعية، وتوظيفها للمصالح السياسية والتطبيعية.
كما أشارت إلى أهمية التجديد في الدراسات الفلسفية والمنطقية، والذي يأتي من أوجهه نقد الفكر الفلسفي غير المنضبط المتعلق بقضايا التجديد، ومراعاة مستويات الخطاب القرآني، وتغليب العمل الجماعي على العمل الفردي المتعلق بالتربية، والسعي للحد من توظيف الرأي الفردي في الخلافات.
وفي ختام بيان توصيات المؤتمر، سلطت الهيئة الضوء على أوجه التجديد في الدراسات التأريخية والحضارية، ومنها الربط بين (الفقه المقاصدي) المنضبط بأصوله العقدية والتشريعية، وبين (الفقه الحضاري)؛ استجابة للتحديات التي تجابه الأمة الإسلامية، بالإضافة إلى مراعاة القيم المنهجية التي أرستها نصوص الوحي من الكتاب والسنة، وكذلك العناية بالدراسات الحديثة في دراسة التاريخ الإسلامي.